أنا أيضًا يحاصرني طيفه، تركته في المقبرة ذات شباط، كنتُ صغيرًا، وأذكر أني لم أرَ وجهه، تأخرتُ قليلًا، وجدتهُ مكفّنًا، في كامل نهايته وسط بيتٍ فسيح، وحدهُ، برائحة الموتى وكل ذكرياته، لم أبكِ عند رأسه، قبّلتُ جبهته، وعندما رفعتُ رأسي، عدتُ ببرودة على شفتيّ، لم أكن أعرف أنّ الموتى يبردون، إنها إشارتهم الأخيرة، كي نصدّق ترجلهم نحو النهاية بكل ثقة.

خرج نعشُ والدي من البيت، مرفوعًا على أكتاف، كانت تتناوب في وقار كبير على حمل جسده المسجَّى، وأنا أيضًا مشيتُ في جنازته، كنتُ على يقين أنّ أبي لا يعرف إلى أين يذهب، مغلوبًا على أمره ونهيه، لكنّه انتهى جثّةً في ذاك القبْر، محاطًا بكلّ ما كان يستهويه، الشّجر الباسق، الأعشابُ، خرير الماء الذي يمرّ بجوار رأسه، رعاة الغنم، ثمّ القليل من الصّمت من حوله.

قبل أن يمُوت والدي، كنتُ قد زرته، لقد شاع مرّة خبر موته، كان يقضي فترة نقاهة بعد مرضٍ عند أختي في مدينة تبعدُ عنّا، أحدٌ ما رنّ في هاتف أخي، لينعي والدي، أذكر جيدًا هذا الحادث المؤلم، بكى من في البيت، وانتشر الخبر كحيّ على الصلاة في الناس، ولأننا كنا نبعد عن العائلة، توجهنا إلى البيت العائلي، كي نضمّ بعضنا، ونبكي في طقس جماعي، لكنّ خبرًا ثانيًا أكّد لنا أنّ أبي على قيد الحياة. لذلك زرتهُ عندما عاد، في آخر مرّة كان يئن من المرض، تركته في بهو الدّار، وخرجتُ بدموع في عينيّ.

شهر تقريبًا مرّ على الزيارة، ليتأكد خبر موته الأخير، كان يقينًا، وعرفتُ أن والدي لم يعد هنا.

قضى أبي عُمره -على الأقلّ هذا ما أذكرهُ- في حقُول القمح، كنّا نقضي ليالي كثيرة في البيادر، نعسُّ على المحاصيل، وفي النّهار نرعى الغنم في منحدرات بعيدة عن الدّار، نحلبُ الماعز، ونسرقُ عناقيد العنب من حدائق كنّا نمرّ عليها في طريقنا إلى عينٍ نورد فيها البهائم، بين شغبنا وشكاوى النّاس، وعناد الطفولة، كانت حياتنا تتشكل، بعيدًا عن الحضارة، وأصوات السيارات، وأبي كان يمشي إلى السّوق البعيد صباحًا باكرًا، ولا يعود إلا بعد الزوال، يفعلُ هذا كلّ يوم أحد، كنّا نقف عند تلّ صغير، نتصفح العائدين، وكلما لمحنا حمار أبي، انفجرنا فرحين، كيسٌ صغير من الفشار، كان يداوي كل خصام الأسبوع.

قضى أبي عمرهُ، راعيًا، عاشقًا لشجر التّين، غارسًا للصفصاف، وزارعًا لكلّ أنواع البذور، من الجلبان، إلى الحبقِ والغنباز، حين تقدّم به العمر، باع حقول القمح، باع بيتنا القديم، وشجرات التين والزيتون، وترك الدار والدالية، كنتُ صغيرًا، وما زلتُ أذكر تلك العناقيد البيضاء التي كانت تتدلى في قلب بيتنا، كانت الدالية تتمدد فوق سطح بيتنا، وكان أبي يسايرها ويفتحُ لبراعمها الأفق الآخر. كان كلّ شيء ينمُو، حتّى نحنُ الصّغار.

يوم غادر أبي إلى مثواه، كنتُ أحصي كل هذه الذكريات، كنتُ مطأطئًا رأسي خلف جنازته، حزينًا للغاية، اشتقتُ إلى بيتنا القديم، كأنّنا لو بقينا هناك في تلك القرية، ما كان لتحدث أشياء حزينة، مؤلمة، لأنها كثيرة، مؤلمة لأنها توالت بشكل فظيع، كأن الألفة واللمة وحبال الودّ، انتهت مع عقود البيع، منذُ أن غادرنا بيتنا العتيق، والحياة برزخ بيننا.

أذكُر أنّي زرتُ قبر أبي مرّتين فقط، اثنتا عشرة سنة مرّت على رحيله الأبدي، نفس هذه السّنوات جعلت منّي طفلًا لا يكبُر، أريد أن أحكي لأبي، أريد أن أعاتبه كثيرًا، أريدُ أن أرى وجهه بقوّة وبغضب، وأذَكِّره ببيتنا القديم. هناك ما زلتُ أنتمي لعائلة، لم تفقد ولا واحدًا منّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد