سئل الأديب والمفكر المصري الراحل «يوسف إدريس» يومًا – رحمه الله- في مقابلة تلفزيونية عن سبب تأخره في الإدلاء بدلوه، وإظهار موقفه، عقب اجتياح الرئيس العراقي «صدام حسين» للكويت في صيف 1990، فأجاب بأنه لم يكن يفهم شيئًا في الموضوع، فالمعطيات كانت غائبة تمامًا عنه؛ لأنه كان أشبه ما يكون في صدمة من هول المشهد الذي أمامه، والذي لم يتوقعه أكثر المتشائمين.

لقد سقت هذه الواقعة لأظهر فقط جانبًا من تخبط الفهم الذي كنت فيه إزاء ما حدث وما يحدث في الجزائر، في الفترة الأخيرة، على أي حال، هناك شبه إجماع على وصفه بالحراك السياسي الذي اندلعت شرارته عقب إعلان ترشيح الرئيس العليل «بوتفليقة» لعهدة خامسة.

هناك من المتابعين للشأن الجزائري من ينظر إلى الحراك نتيجة لتراكمات 20 سنة من الفساد المقنن، الذي نخر مؤسسات الدولة والمجتمع، وهناك من يصف الحراك عرضًا من أعراض مرض مزمن تعاني منه الجزائر، وصار لزامًا الإقلاع فورًا عن الحبوب المهدئة لإجراء عملية جراحية معقدة، يستأصل بها الورم الخبيث، المجسد طبعًا في النخبة السياسية الحاكمة، والإدارة التنفيذية الفاسدة. وهناك فريق ثالث، ربما أكثر تفاؤلًا بتوصيفه للحراك كبداية، وخطوة في الاتجاه الصحيح من أجل غد أفضل لأجيال ربما لم تعرف نقطة الانطلاق.

مما لا ريب فيه أن أبرز ما يلفت في الحراك الشعبي؛ سلمية تنظيمه، وتبلور وعي أفراده، بغض النظر طبعًا عن بعض التجاوزات الفردية التي حدثت من هنا أو هناك. ولكن، من هم قادة الحراك الفعليون؟ ما أبرز التحديات التي تواجه الحراك؟من هم أبرز خصومه؟ على من يراهن الحراك لتحقيق مطالبه؟ تساؤلات كثيرة من هذا القبيل لا تكاد تنفك تتكرر ولا تجد إجابات حاسمة.

كثيرون ما يزالون مذهولين من غياب قادة حقيقيين للحراك، علاوة على بدايته، وقد كانت عبر دعوات مجهولة من على منصات التواصل الاجتماعي تدعو الشعب فيها بمختلف أطيافه للنزول إلى الشارع، والتعبير عن رفضهم للعهدة الخامسة. قوبلت المسيرات باستخفاف من قبل السلطة القائمة، محذرة في شخص رئيس حكومتها «أحمد أويحيى» من تكرار السيناريو السوري، المؤسسة العسكرية بدورها أبدت ارتيابًا من هذه المسيرات، ومحذرة في آن من مغبة الانزلاق إلى الفوضى.

 مع الانضمام التتابعي لـ«الطلبة، المحامين، والقضاة، الأطباء، ونقابات التربية» إلى المسيرات، تماسك الحراك أكثر، وقويت شوكته، وازداد نفوذه، وارتفع سقف مطالبه؛ من إلغاء العهدة الخامسة إلى الدعوة إلى تطبيق المادة 102من الدستور، والتي تنص على: «وجوب إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية في حال الوفاة أو المرض الذي يعيق ممارسة صلاحيات رئيس البلاد»، إلى المطالبة بتنحي جميع رموز النظام البوتفليقي، بما فيهم قائد الأركان «أحمد قايد صالح»، هذا الأخير الذي كان عاملاً حاسماً في تنحي بوتفليقة، والدفع بمحاكمة العديد من رجال الأعمال الطفيليين، فضلاً عن شخصيات نافذة أسيل عن فسادها الكثير من الحبر؛ «علي حداد» رئيس منتدى رؤساء المؤسسات الجزائرية، «محي الدين طحكوت» الوكيل الحصري لشركة هيونداي، «أحمد أويحيى» رئيس الوزراء السابق. «على الأقل هذا ما يتراءى لنا حتى هذه اللحظة».

مذ أن بدأ الحراك، ما فتئ الرجل القوي في المؤسسة العسكرية «أحمد قايد صالح» يدلي بتصريحات من هنا أو هناك لعل آخرها نفيه القاطع عن وجود طموح سياسي له، وهو تلميح لا يقبل الكثير من التأويل، مفاده أن السيناريو المصري الذي يخشى الكثيرون حدوثه غير وارد على الإطلاق في المشهد السياسي الجزائري، قائد الأركان أيضًا متمسك ومصر بموعد وآجال عقد الرئاسيات القادمة في 4 من شهر يوليو (تموز)، ويستند في ذلك إلى أن تمديد الفترة الانتقالية يعني بالضرورة فراغًا دستوريًّا، ما سيفتح الباب في رأيه لمستقبل مجهول قد يعصف باستقرار البلاد ومقدرات الشعب، وقد وجد في هذا اصطفافًا من ساسة كثيرين أبرزهم دائرة بوتفليقة، نذكر منهم: «أحمد أويحيى» رئيس الأرندي، «عمارة بن يونس» رئيس الحركة الشعبية الجزائرية، «عمار غول» زعيم حزب تاج وقد أسسه بعد انشقاقه عن حركة حمس.

في الجهة المقابلة يرفض الحراك مدعومًا من المعارضة السياسية عقد انتخابات الرئاسة في هذا الموعد، موعزين ذلك إلى عدم وجود متسع من الوقت لرص الصفوف و رتيب الأوراق، علاوة على حياد الإدارة التي تمثل العائق الأبرز في طريق تنظيم رئاسيات شفافة ونزيهة، فالدولة العميقة برأيهم موغلة في مفاصل الإدارة الجزائرية، وعلى هذه الشاكلة، لا يمكن لها أن تكون الحكم والخصم في آن.

إذن الصراع يحتدم ما بين قائد الأركان «قايد صالح» المصر على عقد الانتخابات الرئاسية في آجالها، والمتهم في آن لأطراف لم يسمها في الحراك الشعبي بلا عقلانية ولا منطقية بعض المطالب المرفوعة. وبين الحراك الشعبي المتمسك بالشارع سبيلًا، وبالسلمية أسلوبًا متمدنًا، وسعيًا لتحييد الزمرة الفاسدة التي استأثرت بالثروة والسلطة زهاء 20 سنة أو يزيد.

بعيدًا عن معادلة المكسب والخسارة بين الطرفين، تبرز مبادرة سياسية ثلاثية يمثل السياسي المخضرم «أحمد طالب الإبراهيمي» أبرز وجوهها، ويسعى من خلالها إلى ردم الهوة بين الحراك والمؤسسة العسكرية، والعمل على التوصل لتفاهمات بين مختلف القوى السياسية تكون بمثابة خارطة طريق لإنهاء الانسداد السياسي الحاصل، وتوفير المناخ الملائم لتنظيم انتخابات الرئاسة، بلا ريب «طالب الإبراهيمي» يملك من الخبرة السياسية والنزاهة الأخلاقية ما يجعله شخصية توافقية، تحظى باحترام الجميع، ولكن، هل سيشفع له كل هذا من النجاح في مهمته؟ أم أن الأجندات الخفية سيكون لها رأي آخر؟ من المؤكد أن الأيام والأسابيع القليلة القادمة كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد