مثلت الانتخابات الجزئية في ألمانيا رهانا سياسيا يعادل في تونس قيمة الرهان الذي تحمله ولاية أيوا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وقد شكلت نتائج هذا الرهان صدمة لعديد الأحزاب التونسية، التي دخلت السباق بمنطق العنتريات السياسية، وشعار (نلعب ولا نحرّم).

وفي الحقيقة، بدا الحزب الحاكم أكثر تشنجا في مواقفه من بعض الأحزاب الأخرى. وبعد ساعات قليلة من إعلان النتائج أصدر نداء تونس بيانا تحدث فيه عن مراجعة علاقته بحركة النهضة. وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة التحالف أو الشراكة بين حركة النهضة ونداء تونس في الحكم. هل النهضة في الحاجة النداء أم أن النداء في حاجة للنهضة؟ وما هي الخيارات المستقبلية لحركة النهضة في تونس؟ وهل نحن في حاجة إلى مشروع سياسي بديل؟ وإذا كنا في حاجة إليه، فما هي ملامح هذا المشروع؟

تواجه النهضة مشكلة أساسية، فالحركة التي راهنت على خيار التوافق مع نداء تونس، تبدو غير قادرة أحيانا على إخفاء أعراض الارتباك السياسي، سواء في موقفها العام أو في علاقتها مع شريكها الرئيس نفسه. ويبدو أن حركة النهضة تعتقد أن التوافق مع حزب نداء تونس، حتى وإن كان هذا التوافق لا يعكس طبيعة التوازنات السياسية التي فرضتها المعادلة الانتخابية، يبقى ضروريا من أجل مصلحة الحركة التي تخشى عزلها، تمهيدا لاستئصالها سياسيا. وهو ما قد يمثل في حد ذاته أعمق مخاوف كوادر الحركة، على خلاف الرؤية العامة لقواعدها التي تبدو أكثر عاطفية، أو لنقل عقلانية في قراءتها للمشهد السياسي، وتموقع حركتهم ضمنه.

من جهة أخرى، يبدو أن أصغر مخاوف حركة النهضة، هي أكبر مخاوف نداء تونس. فالخوف من تفكك الحزب لديه مبرراته السياسية والشعبية بالنسبة للنداء. فالحزب يفتقر للتقاليد السياسية والتماسك الداخلي التي تمثل مقومات استمراريته، خاصة وأن قاعدته الشعبية شهدت أزمات عديدة أدت إلى تقلصها منذ وصوله للحكم. ولذلك نعتقد أن نداء تونس قد يواجه مستقبلا غامضا، في حال لم يتمكن من حسم الرهانات الانتخابية القادمة، على عكس بعض الأحزاب الأخرى، يبدو أن مصيره مرتبط أساسا بمدى استمراريته في الحكم. ولذلك يعتقد النداء أنه في حاجة للحركة بحكم الأمر الواقع، فتنازله عن خيار التوافق مع النهضة، يعني أنه في حاجة لتوافق جديد، سيدفعه لتقديم تنازلات عديدة قد يكون عاجزا عن دفع تكلفتها. وفي الحقيقة، إن قراءة بسيطة لمكونات المشهد السياسي التونسي، كفيلة بشرح الأسباب التي تجعل النداء يخشى الدخول في تحالف مع اليسار التونسي الذي يمثل الخيار السياسي البديل، حتى وإن اتخذ هذا التحالف شكل شراكة أو توافق سياسي. فطبيعة التركيبة السياسية لليسار للتونسي، تعني أن نداء تونس يخوض عملية انتحارية بالمفهوم السياسي، قد لا تؤدي في أسوأ الأحوال إلى تفككه بل أيضا إلى نسف التجربة السياسية في البلاد.

إن التحالف بين النهضة والنداء هو تحالف ظرفي فرضته تركيبة المشهد السياسي التونسي، ويستمد شرعيته أساسا من مخاوف الحركة والحزب. لكن ماذا لو ظهر فاعل سياسي جديد، ونجح في التموقع ضمن المجال الرمادي بين الحزب والحركة؟ أو لنكن أكثر وضوحا؛ ماذا لو ظهر حزب يحمل مشروعا أكثر واقعية، يحاول فرض نفسه كبديل عن مشروع حركة النهضة في تونس؟ في الحقيقة، يبدو ذلك أمرا مستبعدا، على الأقل ضمن السياق الحالي، الذي لا يحتمل صعود أحزاب جديدة قد لا تكون قادرة على مجاراة الديناميكية التي تحكم المشهد السياسي التونسي منذ فترة، خاصة مع اقتراب الرهان الانتخابي الجديد، فما بالك بحزب ينافس النهضة في مشروعها، ونداء تونس في خطابه.

تواجه حركة النهضة خيارين أساسيين يمكن أن يكونا حاسمين في تحديد مستقبلها السياسي في تونس. ويبدو أن قدرتها على فرض خيار ثالث أو حتى قدرتها على التمييز بين الخيارين الأساسيين في حد ذاتها تخضع لمتغيرات عديدة، فإما خوض مغامرة سياسية تتبنى خلالها مشروعا ينطلق من قراءة واقعية للمشهد السياسي والاقتصادي في البلاد أو الذوبان في المنطقة الرمادية للمشهد السياسي التونسي، لكن يبدو من المستبعد جدا في كلتا الحالتين أن تواجه النهضة مصير الأحزاب السياسية حديثة الولادة؛ أي الزوال، سواء فشل الخيار الأول أو مالت بطبيعتها إلى الخيار الثاني. فقد أصبحت الحركة تشكل جزءا أساسيا من المشهد السياسي التونسي، فهي على خلاف بعض الأحزاب الأخرى التي تشكلت بناء على مصالح ايديولوجية ظرفية وأحيانا متناقضة، تمكنت من الحفاظ على تماسك بيتها الداخلي، بالرغم من التحديات التي واجهتها خلال السنوات الأخيرة. قد تفقد حركة النهضة دورها القيادي في السلطة، حتى وإن اتخذت هذه القيادة في حد ذاتها بعد انتخابات سنة 2014 شكلا مختلفا؛ أي القيادة من الخلف، لكن فرضية زوال الحركة كما يفترض البعض، تبدو غير واقعية تماما؛ على الأقل ضمن السياق السياسي الحالي في البلاد. لكن السؤال الأهم هو هل يمكن أن يكون هذا الحزب قادرا على الصمود ضمن الديناميكية الحالية للمشهد السياسي التونسي؟

إن الواقع السياسي التونسي ليس في حاجة لمكونات سياسية جديدة، بقدر حاجته إلى نضج مكوناته السياسية الحالية التي تشكلت خلال السنوات الأخيرة، لكن الأمر لا يتعلق بالحاجة الى هذا المكون السياسي، بقدر ما يتعلق بمرحلة النضج السياسي في تونس. فطالما لا زال المشهد السياسي لم يبلغ مرحلة النضج، فإن ذلك يجعل كل الفرضيات في هذا السياق، بما في ذلك الفرضية التي أشرنا إليها سابقا، أمرا ممكنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد