خطأ كبير عندما يتم تجاهُل عَربَ الموصل في مؤتمرات تعقد هنا وهناك تضم بقية المكونات والأقليات، خاصة عندما يكون الهدف المعلن من إقامتها، رسم صورة جديدة لمستقبل المدينة بعد تحريرها من تنظيم دولة الخلافة (داعش) الذي كان قد استولى عليها في 10 / 6 / 2014.

 

هنا ينبغي الإشارة إلى أن عرب الموصل يشكلون النسبة السكانية الأكبر في المدينة، يأتي بعدهم الأكراد ومن ثم المسيحيون والتركمان والشبك.

 

مناسبة هذا الحديث، المؤتمر الذي عقد في أربيل في 21/ 8/ 2015 تحت عنوان (صرخة شباب نينوى المهجر) والذي عقدته منظمة المسلة لتنمية الموارد البشرية ومنظمة السلام والحرية بالتعاون مع منظمة (PAX) الهولندية، وهي إحدى المنظمات العاملة في مجال بناء السلام والتعايش السلمي والصور النمطية، وكان شعار المؤتمر “لن نسكت بعد اليوم… فالمستقبل لنا وليس لهم”.

 

سياسات إقصائية

إن النهج الإقصائي في التعامل مع عرب الموصل فيه من الضرر الكبير للأقليات أكثر مما يحمل لها من فائدة، فهو يعمق مشاعر العنصرية وعدم الثقة بين الجميع، وهو ينسجم تمامًا مع ما كان يتبعه المالكي في سياساته طيلة فترة حكمه التي دامت ثمانية أعوام، والتي كانت تهدف إلى إلغاء أي دور يمكن أن يلعبه العرب السنة في المشهد السياسي وفي بناء مستقبل العراق.

 

كما يبدو من ظاهر الصورة التي تفصح عنها مثل هذه المؤتمرات أن المالكي قد نجح إلى حد ما في تحقيق ما يصبو إليه، ونحن نجد آخرين يتبنون ما كان يؤمن به، حتى بعد غيابه عن كرسي الحكم.

 

بنفس الوقت هذا المنهج يعكس الوجه الآخر لما يؤمن به تنظيم دولة الخلافة المتطرف الذي لا يعترف بالآخرين.

 

في كل الأحوال لن تخدم هذه السياسات الإقصائية أحدًا حتى لو افترضنا بأن منظمي مثل هذه المؤتمرات يملكون نيّة حسنة، أو على أقل تقدير ما كانوا مدركين خطورة النتائج التي سترتب على هذه السياسات، والتي ستسبب الضرر للجميع، وفي المقدمة منهم الأقليات.

 

إن عرب الموصل ليسوا بالرقم الاجتماعي البسيط الذي يمكن الاستهانة به أو تجاهله وتخطيه بسهولة في أية معادلة قد تُرسمُ مستقبل المدينة بعد تحريرها، وإّذا ما استمر مثل هذا النهج فلا نظن بأن هناك أية فائدة تذكر يمكن أن يجنيها أصحابه، بقدر ما سيضعون لأنفسهم معرقلات من الصعب عليهم تجاوزها.

 

العقلانية في الرؤية تقتضي التعامل مع الواقع الاجتماعي بفهم سليم، لا أنْ يتم خلط الأمور مع بعضها البعض بطريقة عشوائية فيصبح بالتالي القاتل والبريء وراء قفص الاتهام.

 

القفز فوق الحقائق

نرجو أن لا يكون هذا التجاهل من قبل منظمي هذه الفعاليات ناتج عن نظرة قاصرة، أو رؤية مترسخة ثابتة يصر أصحابها على أن يقفزوا من فوق الحقائق، هذا إنْ لم يتم تزييفها، ليصبح بالنتيجة عرب الموصل جميعًا دون استثناء ولا فرز مجرد دواعش لا أكثر ولا أقل، وهذا ما كان عليه نهج المالكي الذي أراد من خلاله أن يسقَّطَ العرب السنة على الرغم من أنهم يشكلون نصف سكان البلاد.

 

فقد استهان بهم وتجاهل صوتهم، فكان حصاد هذه السياسة أنْ ضاعت نصف مساحة البلاد، وأصبحت تحت سلطة دولة الخلافة، كما سقطت صورة المالكي شخصيًّا من قناعة غالبية المجتمع العراقي، وما المظاهرات التي تشهدها بغداد وبقية مدن العراق في الوسط والجنوب منذ 31/ 7/ 2014 والتي ارتفعت فيها العديد من الشعارات التي تندد بالمالكي وتطالب بمحاكمته إلاّ دليل على خطأ سياساته.

 

ونود أن نلفت انتباه من يقيم مثل هذه المؤتمرات إلى أن أكثر من مليون مهجر ونازح عربي من مدينة الموصل هم الآن يقيمون في إقليم كردستان وبعض مناطق العراق الأخرى، هذا إضافة إلى قوافل الشهداء الذين يسقطون يوميًّا داخل المدينة نتيجة رفضهم لمنهج دولة الخلافة داعش. وقد وصل عدده إلى اكثر من 5000 شهيد، ومع كل هذا الثمن الفادح الذي دفعوه وما زالوا يدفعونه يصر البعض على أن سكان المدينة من العرب السنة كلهم دواعش!

 

إن منهج تجاهلهم وعدم دعوتهم وسماع صوتهم في الفعاليات التي تخطط لرسم صورة ومستقبل المدينة بعد تحريرها ما هي إلا إشارة سلبية واضحة، وهي أولى علامات فشل هذه الملتقيات قبل أن تُعقد لأنها تصر على أن تنظر إلى المستقبل بعين واحدة.

 

المنهج الداعشي

إن تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام منهجه قائم على إلغاء الآخرين -وجودًا وعقيدةً وكيانًا آدميًّا- وهنا يكمنُ عامل فناء هذا التنظيم وعدم إمكانية بقائه على قيد الحياة فترة طويلة، وستأتي بلا شك لحظة فنائه آجلًا أو عاجلًا كبقية التنظيمات العنصرية التي عرفتها البشرية، والتي انتهت بسرعة دراماتيكية بمثل ما صعدت، هذا إذا لم نغفل العوامل الدولية والإقليمية التي ساعدت على قيامه وفق حسابات مرحلية تتعلق بطبيعة صراعات القوى الكبرى، إضافة إلى المنظومة الفقهية التي استند عليها في نشأته والتي عليها خلاف كبير بين المسلمين أنفسهم.

 

لذا من الخطأ قياس العرب والمسلمين وفق النظرة التي يتم فيها رؤية تنظيم دولة الخلافة، خاصة وأن غالبية المجتمعات العربية والمسلمة تتقاطع معه تمامًا في سلوكها ورؤيتها للدين، بهذا السياق كان الشعب التونسي والمصري قد عبَّرا في مخاض ثورتهم التي ما زالت مستمرة في عدم تسامحهم مع نهج التطرف الديني الذي تحمله تنظيمات وجماعات ترتدي ثوب الدين الإسلامي وتحاول أن تقدم نفسها للعالم على أنها هي النموذج الوحيد والنهائي للإسلام.

 

توصيات

إن القائمين على مثل هذه الفعاليات إذا ما أرادوا أن ينجحوا في جهودهم، يتوجب عليهم الالتزام ببعض الاشتراطات الموضوعية:

 

أولًا: خلق أرضية فكرية بين أوساط المجتمع قائمة على رفض منهج التطرف في الرؤية والسلوك.

 

ثانيًا: أن يتم دعوة جميع مكونات المجتمع إلى مائدة واحدة دون استثناء، بما فيهم العرب المسلمون.

 

ثالثًا: عدم التركيز على المسميات الفرعية التي كانت عاملًا أساسيًّا من عوامل تمزّق المجتمع العراقي وفتحت ثغرات كبيرة في جسده ومستقبله تسلل منها اللصوص والانتهازيون والأفاقون، وهم يرتدون عباءة هذه التسميات الفرعية بعد أن مزقوا عباءة الهوية الوطنية.

 

الأهم مِن كل هذه النقاط، أنْ لا يسقُطَ مَن نتوجَّه بخطابنا هذا إليهم في فخ الإلغاء الذي حاولت التنظيمات المتطرفة أن تعممه وتجعله بمثابة حقيقة ثابتة في الحياة، تكتسب طابع القداسة ولا يمكن دحضها أو إنكارها.مستقبل العرب في الموصل

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد