مما هو مسلَّم به أن تظاهرات تشرين 2019 في العراق قد فرضت نفسها نتيجة لحركة التاريخ الممتدة فيما سبقها. وإذا كانت تظاهرات تشرين قد مثلت تجربة استثنائية في سياق حركة المجتمع العراقي وتفاعلاته مع الأزمات والأحداث التي عصفت بالبلاد بعد عام 2003 فإن صفة الاستثنائية هذه تفرض واقعًا حتميًّا يتلخص في ضرورة معرفة الأسباب التي سبقتها والظروف والملابسات التي أحاطت بيومياتها وجدلية تحقيقها للنتائج المرجوة منها من عدمه.

سبقت تظاهرات تشرين 2019 في العراق عشرات التظاهرات الاحتجاجية سواء في بغداد أو المحافظات الأخرى. وكان المحرك الأساس في غالبها هو ضعف مستوى الخدمات وانعدام فرص العمل، وأبرزها ما شهدته ساحة التحرير في 25 فبراير (شباط) 2011 على وقع التناغم مع ما كان يحيطها من تظاهرات «الربيع العربي».

كانت أسباب تلك التظاهرات نتائج منطقية لحالة الفشل والفساد التي اتسم بها الأداء السياسي العراقي منذ 2003 وانعكاسًا واضحًا للصراع الذي اكتسى ثوب الطائفية والمناطقية وعمد إلى شطر النسيج الاجتماعي وزرع الشك والريبة بين مكوناته.

القاسم المشترك بين تلك التظاهرات وتظاهرات تشرين 2019 ملخصه أن النظام السياسي، وإن بدا في ظاهره منقسمًا على نفسه في ضوء الصراعات السياسية البادية على السطح، فإن تلك الأطراف المتصارعة في هذا النظام كانت تتفق سواء عن عمد أو بالصدفة على وجوب التشبث بمواقعها الحالية وعدم التفريط فيها والدفاع عن فرصة الإمساك بها حتى النهاية. ذلك أن تلك الأطراف المستحوذة على النظام السياسي بعد 2003 بمختلف تناقضاتها، ترى أن مواقعها الحالية استحقاق وصلت إليه عن جدارة، ولا يقبل المشاركة من أي طرف لا ينتمي إلى دائرة بيئتها المعتمدة على المحاصصة والتوافق وتقاسم الغنائم، وترتيب الصفقات السياسية. وبذلك فإن أي محاولة لإصلاح أو حتى تغيير ملامح النظام السياسي ولو بدت نزيهة ومخلصة بمفهومها العام، ستكون في نظر أعمدة هذا النظام مشبوهة ومدفوعة من أطراف خارجية، ولا تعدو كونها محض مؤامرة هدفها إحباط المشروع السياسي وتغيير توازنات المحاصصة السياسية لصالح الأطراف التي قد تبدو مستفيدة من النتائج التي قد تؤول إليها محاولات التغيير أو الإصلاح تلك.

لذا فإن حديث أقطاب النظام السياسي الذي نراه كثيرًا عبر وسائل الإعلام حول رفضهم وانتقادهم لهذا النظام الذي يتكون بوجودهم ومساهمتهم فيه، يمثل تناقضًا صارخًا في البنية الفكرية لأقطابه، فهي من جهة تحاول الإيحاء للجمهور بأنها تمارس النقد الذاتي لنفسها بما يضفي عليها صبغة ديمقراطية موضوعية، وفي الوقت نفسه فهي تسم كل من يحاول تصحيح مسارها وليس حتى تغييره بالكامل بأنه مشكوك في ولائه وانتمائه مدفوع بارتباطه الخارجي المشبوه، حتى وإن كان يشاطرها الرأي ذاته الذي تعبر عنه بنفسها كما أسلفنا.

اكتسبت تظاهرات تشرين ميزتها الاستثنائية لسببين: الأول هو حجم التعامل الوحشي الذي قوبلت به خاصة في أسبوعها الأول وما تلاه، وأبرزه استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، والثاني هو أن التظاهرات جاءت في وقت أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا مهمًّا في معادلة التفاعل مع الحركات الاحتجاجية في المنطقة والعالم، وهي ميزة افتقرت إليها التظاهرات السابقة في العراق، بما فيها تظاهرات شباط 2011. ورغم ذلك، شكلت تظاهرات تشرين 2019 ميدانًا مثاليًّا لاختبار بل تجسيد كم التناقضات والاختلافات التي تعصف بالمجتمع العراقي، رغم أن الأغلبية الساحقة منه كانت تقف في صف التظاهرات والمشاركين فيها.

لكن مرور الوقت كشف عن أن التناقضات والخلافات المجتمعية بدأت تأخذ فرصتها في تسيد المشهد، فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ذاتها حلبة لصراعات قاسية استخدمت فيها أبشع أسلحة التشهير والتشويه إلى أقصى مدى ممكن، واختلطت فيها الكثير من الأوراق، وضاعت فيها الحقائق، وسحقت الموضوعية والاتزان واستبدل بها الشتم والسب والاتهامات المتبادلة بالعمالة والخيانة.

إن كلا الطرفين – المتظاهرين والحكومة العراقية – لا يبدو أنهما قد أطلَّا ولو بنظرة مبسطة على دروس التاريخ البعيدة أو حتى القريبة منها، مما حوته تجارب المنطقة والعالم المماثلة، فنرى ردود أفعال الحكومة العراقية نحو التظاهرات تتسم بالعنف في غالب الأحيان، والبرود القاتل في تلبية مطالب المتظاهرين التي تصاعدت على وقع نزيف الدماء في الأيام الأولى لتصل إلى حد المطالبة باستقالة حكومة رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي. ومن جانب آخر، فإن المتظاهرين – أو الفاعلين المؤثرين والمعول عليهم من أفرادها – لم يتناولوا بالقدر الكافي تجارب الحركات الاحتجاجية التي سبقتهم، فنرى أن كثيرًا من تصرفات عدد غير قليل من المتظاهرين تتخذ سمة التطرف والانجراف نحو ردود الأفعال الهوجاء وترك مسيرة التظاهرات بيد طارئين وجدوا فيها فرصة مناسبة لنيل مكاسب يطمحون إليها.

كان أبرز ما عاب تظاهرات تشرين 2019 هو غياب التخطيط السياسي والاجتماعي وعدم وجود قيادات مؤهلة لإدارتها وإدامة التفاعل الشعبي معها خاصة بعد اغتيال عدد غير قليل من النشطاء والفاعلين المؤثرين في انطلاقتها، وهو ما جعلها فريسة للمتصيدين والانتهازيين وبرقعًا تستر به كثير من الفاعلين المؤثرين في النظام السياسي نفسه بدعوى حرصهم عليها وانحيازهم لإرادة الجماهير، رغم أن روائح فسادهم واستبدادهم قد أزكمت الأنوف فيما سبق.

وتُركت التظاهرات بعد أسابيعها الأولى فريسة للتجاذبات الميدانية في ساحات التظاهر، والتي كانت نتيجة طبيعية لغياب قيادة تضبط حركتها وتوفر حدًّا أدنى من الإيقاع المتناغم، بل إن تلك الساحات تأثرت كثيرًا بالتجاذبات التي كانت تجتاح مواقع التواصل، يضاف لذلك سعي أقطاب النظام السياسي لجعل التظاهرات جزءًا من لعبة تصفية الحسابات المحلية والإقليمية التي ألقت بظلالها هي الأخرى على المشهد العام. لقد وُصمت تظاهرات تشرين بكثير مما لم يكن لها يد فيه من الأساس، فمثلًا كان تأييد عدد من الأطراف الإقليمية والدولية للتظاهرات، ورقة لعبت بها الأطراف المضادة – أو التي شعرت أن هذه التظاهرات تستهدفها وموجهة ضدها – لبيان أن التظاهرات مدفوعة وممولة ومخطط لها في أروقة تلك الأطراف المؤيدة لها، وأن التظاهرات مقدمة لمشروع يراد له أن ينفذ على أرض العراق من خلال تلك الأطراف.

إن أي حركة احتجاجية أو حتى تجربة تغيير سياسية ستكون بالضرورة مفيدة لطرف هنا أو هناك دون أن تكون معبرة بشكل مطلق عن إرادة الطرف المستفيد أو وليدة تخطيطه وفكره؛ لأن الحسابات الدولية في بقعة من العالم اليوم لا يمكن أن تكون بعيدة عن التغيرات المحلية والإقليمية. وحتى لو ذهبنا بعيدًا وقلنا بأن هذا الطرف أو ذاك سيسعى بمرور الوقت للاستفادة من حركة التغيير تلك لصالحه، فذلك بحد ذاته متوقع وينبغي فهمه في إطاره العام دون أن يكون هذا الفهم تعبيرًا عن التأييد والموافقة على تدخل الطرف المستفيد في حركة التغيير السياسية تلك.

أصبحت تظاهرات تشرين بوصفها تجربة اجتماعية وسياسية قوامها بشر من لحم ودم، فريسة موضوعة على المائدة يقضم الجميع منها كل حسب الزاوية التي تناسبه، وأخذ كثيرون يطلبون منها أن تغير وتبدل ذلك الكم الهائل من التناقضات والاختلافات والصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية والقومية والطائفية التي تراكمت عبر السنين، دون أن يفسح هؤلاء المطالبون لأنفسهم ولعقولهم حيزّا لشيء من التقييم الموضوعي لتجربة إنسانية قد توفر أساسًا لبداية جديدة لو تمت في ظروف أفضل.

قد تكون تظاهرات تشرين وما آلت إليه حتى الآن فرصة مثالية للارتداد أكثر إلى الوراء، وتعميق الانقسامات وترسيخ التموضع السياسي والجغرافي والطائفي الموجود حاليًا في العراق خاصة مع غياب ممثل حقيقي للتظاهرات يكون محل ثقة لدى نسبة كبيرة من المشاركين فيها فضلاً عن بقية أفراد المجتمع. والأهم أن يتحلى هذا الممثل – الغائب حتى اللحظة – بحسٍ غير قليل من الوفاء لدماء من ذهبوا في سبيل آمال وأحلام لا يبدو أنها قريبة المنال، أو على الأقل يبدأ الآن السعي نحو بلوغها. وهو ما سيفتح الباب مجددًا أمام المزايدات السياسية باسم تشرين وتجربتها، وادعاء كثيرين وصلًا بساحة التحرير وساحات التظاهر الأخرى.

من المؤكد أن سنة التاريخ ستجري في تظاهرات تشرين 2019 في العراق، فمن ناحية، كان الثمن باهظًا لتعلم الدروس المستفادة واستيعابها، ومن ناحية ثانية، فإن الحكم التاريخي على التظاهرات لن يكون الآن، ولا حتى في مدى السنوات القليلة القادمة. وقد قيل وسيقال الكثير مما هو غث وسمين مغالاة في السلب أو الإيجاب عن تلك التظاهرات، لكن الأكيد أن التاريخ سينطق بالحكم المناسب في الوقت المناسب، وكلاهما مما لم يحن له ظرف الزمان والمكان بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد