بينما تدور حرب سياسية واقتصادية بين المحورين الشرقي والغربي، منطقة الشرق الأوسط تعيش أزمات بأشكال المختلفة؛ حيث من المؤكد أن المتغير الذي طرأ في العلاقات الغربية – الشرقية، هو من المسبب الرئيس للصراعات الجارية في المنطقة؛ لأن هذه المنطقة كما يشير محللي علم الجيوبولتيكا بأنها تقع ضمن مناطق الارتطام الجيوبولتيكي، أي تداخل النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، لذلك فالأزمات فيها متتالية، والحلول لها متعثرة.

وكما هو معروف لدى الكثيرين، بأن الصراع بين الشرق الغرب، كان صراعًا أيديولوجيًا في السابق، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينات القرن الماضي، وتشكل نظام القطب الواحد تحت قيادة الولايات المتحدة، وصعود الصين كرقم عالمي في السياسية الدولية، واستعادة روسيا عافيتها تحت قيادة رئيسها الحالي فلاديمير بوتين، ومعطيات ومتغيرات عالمية أخرى طرأت على الساحة الدولية، تحول الصراع إلى صراع نفوذ سياسي، واقتصادي، وعسكري، بمعنى أن الصراع أخذ الأشكال التالية:

تنافس إقتصادي بين المعسكرين: وهذا يأتي ضمن صرع من أجل التفوق الاقتصادي واستغلال الموارد، ولذلك نلاحظ اليوم بأن الحرب التجارية الأمريكية الصينية في أشدها، وأنه من المتوقع ستكون له تداعياتها على دول المنطقة، وخصوصًا على دول الخليج المنقسمة فيما بينها، وأيضًا حسب ما تواردته وسائل الإعلام العربية والأجنبية، بأن الكويت وقعت اتفاقيات اقتصادية مع الصين، قد تغير قواعد اللعبة في المنطقة، ومن المتوقع أن هذه الخطوة قد تثير حفيظة الغرب، وخصوصًا أمريكا، ما قد تُؤزم العلاقات الكويتية الأمريكية.

– التسابق من أجل النفود: بعد نهاية الحقبة الاستعمارية قُسمت منطقة الشرق الاوسط إلى مناطق نفوذ بين القوى الدولية، ولكن بزوق بعض الفاعليين الإقليمين كتركيا وإيران والسعودية وإسرائيل في المنطقة، وتنفذهم في الإقليم على حساب بعض القوى الدولية لصالح أخرى، بمعنى أن تنفذ تركيا في منطقة الشرق الأوسط يعني نفوذ الغرب، وتوسع إيران يعني توسع المحور الشرقي في المنطقة، وتأسيسًا عليه يجوز القول بأن صراع نفوذ القوى الغربية والشرقية بدأ يُدار عبر استخدام فاعلين إقليميين.

– صراع عسكري لتجريب الأسلحة المتقدمة: هذا النوع من الصراع العسكري نلاحظه بشكل جلي في الحرب الأهلية السورية، حيث يرى الكثيرون بأن القوى العالمية تعتبر الساحة السورية ساحة تجارب لأسلحتها المتقدمة، وهذا ما نستنجة من تصريح الرئيس الروسي بوتين الذي أشار فيه إلى أن سوريا ليست ميدانًا لتجارب الأسلحة؛ ما يؤكد على أن القوى الدولية المتصارعة فوق الأرض السورية، بأنه هدف تجارب الأسحلة هناك، كان أحد دوافع انغماسها في الصراع السوري -السوري.

وبناءً على ما تقدم نلاحظ بأن التغير الذي طرأ في العلاقات الغربية – الشرقية، أثر على الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والأمنية والاجتماعية في دول المنطقة، حيث تسبب في اندلاع بعض الأزمات، وعليه سنسشترف مستقبل أزمات المنطقة تأسيسًا على استقراء مآلات الصراع الغربي – الشرقي وتأثيراته.

الخلاف الإيراني – الأمريكي: من المحتمل أن الخلاف الأمريكي الإيراني سيكون أكثر الخلافات تأثيرًا على دول المنطقة، ومع أن الخلاف يتظاهر بأنه خلاف إيراني أمريكي، ولكنه في الواقع هو صراع غربي – شرقي، وبتعير آخر هو مكايدات بين القوى الشرقية الغربية، وبناءً على التطورات الجارية في المنطقة والعالم، وما تظهره إدارة ترامب من تشدد تجاة طهران، والتصريحات التي يُدلي بها قيادات البنتاغون، بأن خيارت الحرب ضد إيران في الطاولة، هذا يشير التأزم ربما يصل إلى مرحلة الحرب بين الطرفين، ولكن كثيرين يستبعدون سيناريو الحرب ضد إيران؛ لأنه في حال نشوبه ستتأثر المصالح الأمريكية بشكل كبير، لذلك فهذا التأزم نتوقع أن تؤول أحدثه إلى الاكتفاء بالتضييق الاقتصادي الأمريكي على النظام الإيراني، وخصوصًا أن إدارة البيت الأبيض تشاطر حلفائها الإقليمين كالسعودية وإسرائيل الرأي بشأن العقوبات الاقتصادية ضد إيران، حيث يتعقدون أن فرض الحصار الاقتصادي على النظام الإيراني قد يكون كفيلًا بسقوطه، ولكن في ظل الصراع الغربي – الشرقي المحتدم قد لا تنجح إستراتيجية إدارة ترامب تجاة إيران، علمًا بأن الغرب فيما بينه منقسم حول الملف الإيراني، وعليه ففي ضوء تصاعد الخلاف بين واشنطن وطهران من الجائز التوقع بأن الصراع الغربي الشرقي مآله التفاقم، هذا ما سترسمه مخرجات لقاء بوتين – ترامب في الفترة القادمة.


الأزمة الخليجية: لعل الكثيرين سيتغربون ربط الصراع الغربي الشرقي، بالأزمة الدبلوماسية الجارية بين الأشقاء الخليجين، ولكن من خلال التطورات التي حدثت في العلاقات الروسية القطرية، والقطرية الإيرانية، والقطرية الصينية، ربما يجوز لنا القول بأن هذه التطورات هي أحد أسباب الأزمة القطرية الخليجية، وذلك من خلال استقرائنا للتحركات الخارجية القطرية في السنوات الأخيرة، والتي كانت تميل إلى نوع من الاستقلالية في نسج العلاقات، بمعنى أنه بينما كان الغرب يشن حربه التجارية ضد موسكو، كانت قطر تقعد صفقات اقتصادية مع روسيا، وبالتالي دخلت الدوحة على خط الصراع الغربي الشرقي، ما دفع الغرب إلى إسقاطها سياسيًا من خلال استخدام أدواتها الإقليمية، أي الرباعي العربي. 

وفي سياق الصراع الغربي الشرقي، دخلت الكويت على خط الصراع من خلال عقد الاتفاقات الاقتصادية السالف الذكر، بمعنى أن الكويت طبقًا لما فعلت قطر بدأت تتبع سياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وهذا ما قد يجعلها تصبح جزءًا من الأزمة، بدلًا عن موقفها الحيادي، وصارت طرفًا من أطرافها؛ ما قد يعمق الأزمة ويطول أمدها. 

الأزمات السياسية داخل بلدان الشرق الأوسط: هناك دول شرق أوسطية تعاني من أزمة سياسية داخلية، يرجع سببها إلى تدافع تيارات داخلية، تيار يميل للشرق وآخر يميل إلى الغرب في الصراع المحتدم بين الطرفين، حيث تسعى كلى التيارات إلى صف بلاده إلى جوار أحد الطرفيين، فعلى سبيل المثال: جمهورية تركيا بها تيارين قويين، يتجاذبانها بين المحورين، فجزءٌ من التيار القومي، كحزب الوطن الذي يتزعمة دوغو برنيجك، المعروف بقربه من المحور الشرقي، والذي يتمتع بعلاقات قوية مع الروس والصينين، ودائمًا مع يدعم تقوية علاقة تركيا مع هذين القوتتن الشرقيتين، ويعتبر من أكبر المناهضين للنفوذ الأطلسي بتركيا، وفي المقابل هناك تيار يتمثل في الحزب الجمهوري يدافع عن تقوية العلاقات التركية الغربية، وهذا ما تسبب في تأزم سياسي في داخلها، ويرى الكثيرون بأن المحاولة الانقلابية السابقة، نتيجة للصراع بين الشرق والغرب، على الساحة التركية.

وتاسيسًا على ما تقدم يمكننا القول بأن الصراع الغربي الشرقي له تداعيات على أمن واستقرار بلدان منطقة الشرق الأوسط، بحكم أنها منطقة تتزاحم فيها نفوذ القوى الدولية، وبالتالي فإن لم تخف حدة التوتر بين المحورين الشرقي والغربي، مع استبعادنا لذلك قريبًا، في ظل تصرفات الرئيس الأمريكي المربكة لحسابات القوى الغربية فيما بينها، ستتلاحق الأزمات وتتعثر عملية الحلول، لذلك لقاء بوتين ترامب قد يخفف من حدة التأزمات الإقليمية؛ ما إن توصل الطرفيين الى نقطة تفاهم في بعض النقاط العالقة، والتي تعني المنطقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك