تساؤلات:  كيف خطط صالح والإخوان والحوثيون للإطاحة بهادي؟
هل كانت حادثة مشفى العرضي بداية المخطط؟
كيف اتفق (المخلوع صالح) مع الإيرانيين للإطاحة بحليف الرياض؟
هل تعيين الجنرال علي محسن الأحمر في منصب نائب القائد الأعلى لقوات الجيش اليمني لإبقاء الحوثيين أم للقضاء عليهم؟
لهذه الأسباب قد تدفع السعودية جهود استقلال اليمن الجنوبي؟

تبدو ملامح انتهاء الحرب في اليمن تظهر شيئا فشيئا, عقب تحقيق القوات الموالية للحكومة الشرعية انتصارات في عدة جبهات من بينها تعز وصنعاء, وهي انتصارات بطيئة مقارنة بالدعم اللوجستي الكبير الذي تقدمه دول التحالف العربي بقيادة السعودية, سواء عبر تقديم الأسلحة والمعدات العسكرية الضخمة أو عبر الغارات الجوية المكثفة التي تستهدف وقف تمدد الحوثيين والقوات الموالية للمخلوع صالح.

وكذلك مع المتغيرات التي طرأت في المنطقة العربية, وأبرزها الانسحاب الروسي من سوريا، يجري ذلك بعيدا عن أعمال العنف والاغتيالات الحاصلة في الجنوب اليمني, وتحديدا في العاصمة عدن, حيث يبحث الانقلابيون فرص النجاة من الهزيمة على يد القوات الشرعية والتحالف العربي التي باتت على مشارف صنعاء.

الحوثيون وحليفهم المخلوع صالح, افتعلوا حربا تدميرية قضت على كل شيء خصوصا في الجنوب اليمني, الذي شهد حربا دموية على عكس الشمال الذي سلم فيه اليمنيون مدنهم للمليشيات المدعومة من طهران دون قتال باستثناء محافظة البيضاء اليمنية التي قاتلت المليشيات بشراسة لاعتبارات ثأرية قديمة تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.

الثلاثاء 8 من مارس (آذار) الجاري, بثت وسائل إعلام محلية يمنية خبرا عن دخول قيادات حوثية الأراضي السعودية, لبحث حلول سياسية مع الرياض التي تقود الحلف العربي لمواجهة التمدد الإيراني في المنطقة, في خطوة وصفت بالجريئة, لكنها في ذات الوقت كشفت عن ذهاب جماعة الحوثي بشكل منفرد بعيدا عن الحليف المخلوع علي عبدالله صالح.

الدوافع

الغارات الجوية المكثفة التي يشنها التحالف العربي منذ فجر 26من مارس (آذار) 2015م, تمكنت من تدمير المخزون العسكري الذي استولت عليه مليشيات الحوثي وقوات المخلوع صالح, فالجماعة التي كانت محاصرة في محافظة صعدة, وجدت نفسها فجأة في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء, تدير كل مرافق الدولة, بعد امتناع القوات الموالية لعلي محسن الأحمر من مواجهتها.

فقد صحا سكان صنعاء في 22 من سبتمبر (أيلول) 2014م, على عناصر بملابس رثة تدير حركة المرور في عاصمة بلادهم, في حين تنتشر في المداخل نقاط تفتيش لعناصر تمضغ أوراق القات بشراهة, وتتعامل مع المدنيين بعنجهية.

لكن سرعان ما أسقطت تلك العناصر مدن اليمن الشمالية, مدينة تلو الأخرى دون قتال إلى أن وصلت محافظة البيضاء, التي شهدت أعنف المعارك مع القبائل, لعدة اعتبارات من بينها ثأر قديم لقبائل البيضاء لدى القبائل الزيدية التي احتلت المحافظة الواقعة في الوسط اليمني, في عشرينيات القرن الماضي.

عام على التدخل العربي

شعرت جماعة الحوثي بعد مرور عام على التدخل العربي لوقف التمدد الإيراني في اليمن, أنها في طريقها إلى الزوال في ظل التصريحات التي أطلقها الرئيس عبدربه منصور هادي, وأكد نيته تصنيف الجماعة الحوثية بوصفها جماعة إرهابية, وهي تدرك أن ذات التصنيف قد يستثني القوات الموالية للمخلوع صالح, والتي يمكن احتواؤها ضمن الجيش الوطني, فسارعت لأجراء اتصالات مع الرياض, مستغلة وجود الجنرال علي محسن الأحمر في العربية السعودية, الذي قد يلعب دور الوسيط, لوقف الحرب وبحث حل سياسي يبقي على كيان الجماعة الممولة من طهران.

ولا يبدو أن بحث الجماعة الحوثية لحلول سياسية مع الرياض وليد اللحظة, فالقيادي الحوثي علي ناصر البخيتي سبق له أن زار الرياض في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015م, وكان أول لقاء جمعه، في العاصمة السعودية, بعدو الأمس صديق المرحلة الحالية الجنرال علي محسن الأحمر, لقاء حميما, فالصور التي نشرها القيادي الحوثي الذي يقول إنه انشق عن الجماعة, أظهرت البخيتي والجنرال الأحمر وهما يتعانقان.

مرحلة إنقاذ للزيود

أدرك الحوثيون عقب دحر قواتهم من عاصمة الجنوب, أن الأطقم العسكرية التي احتلوا بها مدن اليمن الشمالي, فشلت في احتلال الجنوب الذي انتفض في مواجهة المد الشمالي باعتباره تكريسا للاحتلال اليمني السابق.

وهو ما دفعهم وبتحالف مع الموالين للمخلوع صالح والإخوان المسلمين لتغذية أعمال العنف المفتعلة في الجنوب, وربما أن الأطراف الثلاثة جمعها قاسم مشترك هو (الجنوب اليمني) الغني بالثروات النفطية والطبيعية, والمساحة الواسعة الممتدة من باب المندب إلى قبالة عمان.

فإدخال عدن في الفوضى, يعتقد الانقلابيون والإخوان أنه قد يدفع الجنوبيين للاستعانة بقوات عسكرية شمالية للمشاركة في تأمين عدن, وهو ما يعني للجنوبيين تكريس الاحتلال مرة أخرى لبلادهم.

يتهم سياسيون جنوبيون ما يطلقون عليها قوى الشر اليمنية (الحوثيون والإخوان المسلمون وجماعة المخلوع صالح) بالوقوف وراء أعمال العنف والاغتيالات الحاصلة في بلادهم.

المقاومة الجنوبية, كبدت مليشيات (العدوان الحوثية العفاشية) خسائر فادحة في الأرواح والعتاد العسكري بدعم وإسناد قويين من التحالف العربي الذي تقوده الرياض.

الخسائر البشرية والعسكرية التي تكبدها الحوثيون وحليفهم المخلوع صالح كانت كبيرة جدًا, فالصور التي بثتها وسائل الإعلام المختلفة أظهرت جثث قتلى المليشيات في شوارع عدن ولحج بشكل كبير جدا.

وانتشرت على الإنترنت صور لقتلى حوثيين يتم جمعهم بالجرافات, في حين أظهرت صور أخرى قتلى حوثيين في مدينة خور مكسر والكلاب تأكل من جثثهم.

كان الحوثيون باعتبارهم أحد أبرز القوى اليمنية المسلحة التي تقر بمظلومية الجنوب باعتباره تعرض لغزو واحتلال يمني شمالي في منتصف تسعينيات القرن الماضي, لكن تلك التصريحات التي كانت تصدر من قيادات في اليمن الشمالي, كان الهدف منها إيجاد موطئ قدم لهم في اليمن الجنوبي المليء بالثروات النفطية والطبيعية.

فاستقلال الجنوب الذي ينادي به سكان محافظات اليمن الجنوبي قوبل برفض جميع القوى اليمنية بما في ذلك الحوثيين وجماعة الإخوان المسلمين, وأتباع المخلوع صالح.

كان البعض من ساسة الجنوب يعتقد أن الحوثيين, حاولوا التخفيف من الجرم الذي ارتكبوه بحق عدن, من قبل اليمن الشمالي بأطرافه السياسية والقبلية والدينية والجهادية, وكان للقبائل الزيدية النصيب الأكبر في ذلك الغزو الذي قضى على دولة عصرية بكل مقوماتها.

الجنرال الأحمر.. فرار وعودة

كان الجنرال علي محسن الأحمر يقود قوات الفرقة الأولى مدرع، وهي تشكيلات عسكرية مكونة من 23 لواء موزعة على مختلف المدن اليمنية وأغلبها تتمركز في الضاحية الشمالية للعاصمة صنعاء, مقر الفرقة.

في 21 من سبتمبر (أيلول), فر الجنرال علي محسن الأحمر من العاصمة اليمنية صنعاء مارًا عبر مناطق السيطرة الحوثية وصولا إلى المملكة العربية السعودية, عقب دخول المليشيات صنعاء, دون مقاومة تذكر باستثناء اشتباكات متقطعة بجوار التلفزيون اليمني أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود وأربعة مدنيين, في قصف صاروخي لقوات قيل حينها إنها موالية للمخلوع صالح.

تردد الكثير من الأخبار عن إسقاط القوات الخاصة اليمنية الموالية للمخلوع صالح والتي تتمركز في جبل عصر منطقة الصباحة, على مقر الفرقة، إثر قصف مدفعي على المقر.

وبعد أكثر من شهرين من فرار الأحمر, ظهر الجنرال في صورة له وهو يرتشف كوبا من الشاي بجوار نافذة منزل منحه إياه السعوديون في مدينة جدة, متابعا أخبار الحصار الذي فرضه الانقلابيون على الرئيس هادي وأعضاء حكومته.

وكان الرئيس هادي وأعضاء حكومته قد حوصروا من قبل الحوثيين في صنعاء، وصولا إلى تقديم الاستقالة, قبل أن يتسلل (الرئيس هادي) هاربًا إلى عاصمة بلاده الأم (عدن), تاركا خلفه عاصمة كل من فيها يرون الرئيس الجنوبي خائنا وعميلا لدول الخليج والسعودية تحديدًا.

وبالعودة إلى ما كتبه القيادي الحوثي علي البخيتي عن الجنرال علي محسن الأحمر,فقد كتب البخيتي الذي يوصف بـ(علي كاتيوشا) من هول ما أمطر به الجنوبيين من قذائف الكاتيوشا أثناء قيادته لقوات صنعاء غداة اجتياح الجنوب منتصف تسعينيات القرن الماضي.

وكشف البخيتي معلومة في غاية الأهمية, فُسرت بوجود تنسيق بين الجنرال الأحمر -الذي كان الحوثيون يصفونه في إعلامهم بالعدو- وجماعة الحوثي, أو بالأحرى التحالف الزيدي, حيث قال البخيتي «استقبلني الجنرال علي محسن الأحمر يوم الأحد 29 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015م في القصر الذي يقيم فيه بالرياض، بالأحضان، وببسمة عريضة وكأنه يستقبل أحد أبنائه بعد عودته من الخارج، حدثني كثيرًا عما كتبته، ووجدته متابعا لكل مقالاتي، قال لي: قلت لمحمد أخيك عندما زارني مبعوثًا من عبدالملك الحوثي قبل دخولهم صنعاء: أخوك علي لن يتحمل الحوثيين وسيتركهم، فهم لا يقبلون إلا بمن هو منهم».

يقول البخيتي «أجبته بأنه مع كل خلافاتي مع الحوثيين لن أسعى إلى إقصائهم أو الانتقاص من حقوقهم إذا (ما سقط نظامهم في اليمن)، ووافقني على ذلك قائلًا: نريد دولة مواطنة متساوية للجميع».

فالجنرال الأحمر الذي خرج إلى الرياض عبر السيطرة الحوثية, حان له أن يعود عبر السيطرة الحوثية ذاتها, فالرجل زيدي ويرى أن إنهاء الحوثيين بشكل كامل هو إنهاء للزيود, فهو كما قال للبخيتي «نريد دولة مواطنة متساوية للجميع», لكن تلك المواطنة المتساوية التي يزعم الأحمر أنه يبحث عنها, من المستحيل تحقيقها.

فالزيود الذين هيمنوا على اليمن الشمالي منذ عهد الإمامة, رفضوا أن يحكمهم رئيس من اليمن الجنوبي لأكثر من عامين, وافتعلوا له العديد من المشاكل وصولا إلى محاولة اغتياله في مشفى العرضي بصنعاء في العام 2014م, وما تلاها من أحداث وصولا إلى احتلال العاصمة صنعاء وتدشين الانقلاب على حكمه لاحقا في يناير (شباط) العام 2015م.

عبدربه منصور هادي, أول رئيس شافعي يحكم اليمن الموحد منذ توحيد البلدين الجارين في مطلع تسعينيات القرن الماضي, حيث وصل إلى الحكم عقب الإطاحة بالرئيس المخلوع علي عبدالله صالح, في العام 2012م.

اعتقدت (القوى الزيدية) أن الرئيس (الشافعي) الذي يحكمهم في صنعاء بات يهدد وجودهم, وخطط الزيود منذ اليوم الأول لصعود هادي للإطاحة به.

يقول مقربون من أروقة نظام صنعاء القديم: إن صالح كان يخطط للإطاحة بهادي منذ الساعة الأولى لتسليمه الحكم, بمساندة قوية من كل القوى الزيدية الموزعة في جميع الأحزاب والقوى اليمنية وأبرزهم الإخوان المسلمون والحوثيون وأحزاب التحالف الوطني.

سلم صالح الحكم لنائبه الذي أصبح رئيسا توافقيا بانتخابات قوبلت بالرفض في مدن الجنوب, في 21 من فبراير 2012م, في حفل رسمي رعته دول الخليج, باتفاق أطلق عليه (المبادرة الخليجية), منح صالح بموجبه الحصانة من الملاحقة.

اتصال صالح بالإيرانيين

أجرى صالح العديد من الاتصالات مع الإيرانيين, واتفق مع طهران على أن يطيح بهادي حليف الرياض, ليتم تنصيب العميد أحمد علي عبدالله صالح رئيسا, وعبدالملك الحوثي مرجعية دينية, ويتم بعدها إسقاط اليمن لمصلحة طهران وتهديد دول الخليج العربي.

وبدأ صالح فعليا بتنفيذ مخططه ببدء تشكيل مجلس عسكري في صنعاء, وصولا إلى تسليم كل الأسلحة والعتاد الذي جمعه طوال سنوات حكمه للحوثيين لإسقاط مدن اليمن الشمالي, وصولا إلى العاصمة اليمنية صنعاء.

واستمر صالح باتصالاته مع القوى اليمنية التي كان بعضها يعارض حكمه ومنها جماعة الإخوان المسلمون, وبالفعل، فعقب سقوط عمران بيد الحوثيين في 7 من يوليو / تموز 2014م, ذهب زعماء جماعة الإخوان إلى بلدة مران في صعدة على متن طائرة عسكرية للقاء زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي, في حين نشرت وسائل إعلام صالح والإخوان أخبارًا تحدثت عن تقارب إخواني مؤتمري.

ونشرت صحيفة إخوانية مانشيتًا عريضًا «سنتحالف مع صالح لإيقاف عبث هادي»

موقف الإخوان من الانقلاب

كان الإخوان المسلمون الذين خسروا معركة عمران, في مطلع يوليو (تموز) 2014م, قد توعدوا بأن لديهم 40 ألفا من المقاتلين الذين قالوا إنهم سينطلقون لقتال الحوثيين, لكن سرعان ما اختفوا ليفاجأ اليمنيون بأن مدنهم تسقط بيد المليشيات الحوثية القادمة من مران, دون أي قتال.

لكن مدير مكتب الشيخ عبدالمجيد الزنداني أكد في تصريحات لـصحيفة (الشرق الأوسط) في فبراير (شباط) المنصرم: «أن قيادة جماعة الإخوان أصدرت أمرًا بوقف قتال الحوثيين, والذهاب نحو مفاوضات سلمية مع الحوثيين».

كان الكثير من ساسة الإخوان والقوى الثورية في الحزب ترفض التقارب الإخواني مع المخلوع صالح, بما في ذلك قيادات بارزة أمثال توكل كرمان وألفت الدبعي, وقيادات وناشطين بارزين ينتمون إلى اليمن الأسفل (الشافعي), ونظم ناشطون من جماعة الإخوان تظاهرات مناوئة للتقارب الإخواني المؤتمري الحوثي, لكن تلك التظاهرات سرعان ما تعرضت للقمع, وزج بالعديد من الناشطين في السجون والمعتقلات, وتعرضوا لأعمال تعذيب وحشية, تسببت في وفاة بعضهم.

وظل الإخوان على موقفهم المؤيد والمحايد في آن واحد إلى أن اقترب الانقلابيون من عدن, وعقب 11 يوما من التدخل العربي, أعلن الإخوان المسلمون موقفا مؤيدا لعاصفة الحزم.

لكن عناصر في جماعة الإخوان المسلمين قاتلوا في صف الحوثيين والقوات الموالية للمخلوع صالح, حيث بثت وسائل إعلام محلية وعربية صور بطاقات هوية لقتلى حوثيين في محافظة البيضاء ينتمون لحزب التجمع اليمني للإصلاح.

مستقبل الانقلاب

وفقا لتأكيدات الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي فإن 80% من مساحة اليمن مع الشرعية, لكن تلك المساحة المحررة, يقول مسئولون يمنيون إنها تشهد اختلالات أمنية متزايدة في ظل الضربات التي توجهها جماعات مسلحة، ربما تكون على ارتباط بجماعة الحوثي والمخلوع صالح, للجنوبيين.

لكن تلك الاتهامات تشي بإدانة جماعة الإخوان المسلمين الحليف غير الوفي للشرعية، فالإخوان لهم يد، أيضًا, في كل ما يحصل من أعمال عنف وإرهاب في الجنوب.

فكل تلك الاغتيالات التي تتم في عدن وباقي المحافظات الجنوبية, تستهدف الجنوبيين دون سواهم, ناهيك عن الاستغلال الإعلامي للوضع الأمني في عدن من قبل وسائل إعلام الإخوان، ما يؤكد أنهم طرف في ما يحدث.

فحتى حضرموت التي سقطت بيد القاعدة في أبريل (نيسان) 2015م, لم ترصد وسائل الإعلام قيام تلك الجماعات باستهداف الضباط والجنود الشماليين فيها, ما يعزز فرضية اتفاق شمالي على استهداف الجنوبيين لمنعهم من الذهاب نحو استعادة بلادهم السابقة التي احتلتها صنعاء.

فشل الانقلاب في اليمن, مع اقتراب القوات الموالية للحكومة الشرعية من العاصمة اليمنية صنعاء, لكن هناك مساع لعدم هزيمة الزيود في عقر دارهم.

فالزيود الذين ظلوا مهيمنين على اليمن الشافعي منذ نحو 100 عام واليمن الجنوبي لأكثر من ربع قرن, لا يريدون أن يحكمهم أي يمني من خارج المذهب الزيدي.

التسويات السياسية التي يبحثها الحوثيون مع الرياض لا تعني غياب صالح، حليفهم, فالفريق علي محسن الأحمر موجود في السعودية, وهو ورقة (الجوكر) الزيدية التي قد يتم اللعب بها قبل سقوط صنعاء بيد القوات الموالية للشرعية.

فالمباحثات التي يجريها الحوثيون مع الرياض لم تكن وليدة اللحظة, بل على ما يبدو أنها بدأت بزيارة القيادي الحوثي علي البخيتي للرياض ولقائه بالجنرال علي محسن الأحمر.

تعيين الأحمر نائبًا لقائد الجيش يربك القوات الموالية للشرعية

أصدر الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي قرارا جمهوريا في 21 من فبراير (شباط) 2016م, في ذكرى انتخابه رئيسا توافقيا لليمن, قضى بتعيين الجنرال علي محسن الأحمر نائبًا للقائد الأعلى للقوات المسلحة.

لكن هذا القرار أثار حالة من الجدل والإرباك, حيث رفض الكثير من المقاومين القتال بحجة أن الأحمر هو جزء من النظام القديم وأن إعادته للمشهد من جديد سوف يفشل المقاومة كما أفشل الثورة الشبابية التي انطلقت في مطلع العام 2011م, بالتزامن مع ثورات الربيع العربي.

يتهم اليمنيون جماعة الإخوان المسلمين بأنها ساهمت في تدهور اليمن, من خلال مشاركة قادتها لحكم المخلوع صالح منذ تأسيس الجماعة على يد المخلوع, والمسئول في وزارة الخارجية حينها الشيخ القبلي الراحل عبدالله بن حسين الأحمر.

وبشأن الحرب الأخيرة يعترف القيادي الإخواني الدكتور هود أبو رأس, بأن جماعة «الإصلاح»، أسهمت في تفاقم الأمور داخل اليمن، حين أصدرت أمرًا أوقفت بموجبه زحف 40 ألف مقاتل نحو صعدة لوقف التمدد الحوثي الذي طال محافظة عمران ووصل لاحتلال العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) عام 2014، مبينا أن ذلك الإجراء كان «غامضا».

مباحثات أبها وإنقاذ الزيود

تؤكد المباحثات التي يجريها الحوثيون مع الجانب السعودي لوقف الحرب عليهم, أنها هي الخطوة التي سعى لها الفريق علي محسن الأحمر, فالقائد العسكري الزيدي يرى أن هزيمة الزيدية هي هزيمة له أيضا, وعمل على تدارك الهزيمة بإقناع الحوثيين بالدخول في مفاوضات مع السعودية, خصوصا بعد أن أنهكوا عسكريا وباتوا يتسولون في الشوارع طلبًا للدعم الحربي.

ويبدو أن المفاوضات بين الطرفين قد قطعت شوطًا كبيرًا في سبيل ذلك, خصوصا بعد إرسال السعودية قوافل مساعدات لأول مرة إلى معقل الجماعة الحوثية في صعدة.

وعلى الجانب الآخر, تأتي هذه المباحثات اليمنية السعودية, في ظل المتغيرات التي طرأت في المنطقة, ومنها الانسحاب الروسي من سوريا, وانهزام طهران والقوى المتحالفة معها في ظل تصاعد الموقف العربي تجاه قضايا العرب, واقترابهم (أي العرب) من حل مشاكلهم العالقة في أكثر من بلد وقطر عربي بأنفسهم.

لكن السعودية التي تبحث السلام مع الحوثيين لا يمكن لها أن تحصل على حليف استراتيجي وفيّ في شمال اليمن.

فتاريخ علاقة السعودية بالقوى اليمنية في الشمال, غير صادقة من الجانب اليمني, رغم العطاء السخي من قبل المملكة لمشايخ الشمال الزيدي.

فإحلال السلام, وإنهاء الحرب, لن يكون كافيا، دون إيجاد حلول للمشاكل العالقة، ومن بينها قضية اليمن الجنوبي, وكذا المشاكل الداخلية في اليمن الشمالي ذاته, وأبرزها التمييز المناطقي والعرقي ضد بعض سكان المدن اليمنية كتهامة وريمة وتعز, التي ينظر لها الشمال الزيدي بأنها مجتمعات من الدرجة الثالثة, كما يقول سياسيون.

فالكثير من الساسة السعوديين يؤكدون أنه لا يمكن الثقة مطلقا بحليف يكون طرفه أيًا من جماعة الحوثي أو المخلوع صالح أو جماعة الإخوان, وخصوصا الجماعة الأخيرة التي صنفت في العام 2013م, من قبل دول الخليج باعتبارها جماعةً إرهابية, عقب هجوم إعلامي لإخوان اليمن على المملكة, على خلفية دعمها للانتفاضة ضد حكم الرئيس المصري المعزول محمد مرسي.

فالقوى السياسية اليمنية ظلت منذ عقود على التهديد بورقة ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية مع كل أزمة مالية تعترض أيا من تلك القوى هناك.

فإحلال السلام ليس كافيا، إذن، كما ترى المملكة العربية السعودية, وهو ما يؤشر إلى أن الرياض تفكر بإيجاد حليف استراتيجي وقوي, أقوى من القوى الزيدية, مع إبقاء بعض الامتيازات التي تمنحها الرياض منذ عقود لمشايخ القبائل والعشائر في شمال صنعاء.

وربما تبدأ السعودية بالتفكير جديًا في دعم إقامة حكم ذاتي لجنوب اليمن, أو دعم حق الجنوب في الاستقلال الذي ينادي به غالبية السكان منذ ربع قرن عقب فشل الاتحاد مع صالح واجتياح نظام المخلوع البلاد في مناسبتين كانت أخرها حرب العام 2015م, استجابت فيها الرياض لطلب من الحكومة الشرعية بالتدخل العسكري.

وما يعزز ذلك الطرح, أن السعودية قد تحصل على الكثير من الامتيازات في حال دعمت جهود استقلال الجنوب، من بينها إيجاد منفذ عبر البحر العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد