إلى أين تتجه بوصلة فنزويلا؟

فنزويلا تُصنف كأضخم احتياطي نفطي عالمي، وأول مُنتِج ومُصدّر للذهب الأسود في أمريكا اللاتينية، وواحدة من أبرز مؤسسي منظمة الأوبك «opec»، فضلًا عن أنها تُمثل النسخة الجديدة للثورة البوليفارية منذ حوالي عقدين من الزمان، وبالضبط مع وصول الراحل «هوغو تشافيز» إلى السلطة.

قد تكون هذه الأسطر التي بصدد كتابتها عمّا يحدث لفنزويلا، وعن (مادورو) متأخرة نسبيًا، لكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن اكتمال الصورة أو على الأقل وضوحها، أمر مهم جدًا من أجل تقديم تحليل مقنع يتسم بالشمولية والموضوعية.

لا يختلف اثنان في أن الضجة الإعلامية العالمية المُثارة حول فنزويلا لا تنبع من استفاقة مفاجئة من الغرب تستهدف نشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بهذا البلد، لقد عاشت دول في أمريكا اللاتينية أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية أسوأ بكثير مما يحدث الآن لفنزويلا،  ولكن أحدًا من الغرب لم يكن ليُبالي لسببٍ بسيط.. أنها دول فقيرة ولا ُتشكّل أهمية اقتصادية أو استراتيجية بالنسبة لهم.

من الضروري بمكان أن ندرك جيدًا أنه لا يمكن لعاقل متابع للشأن الفنزويلي أن تغيب عنه حقيقة الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها البلاد الناتجة عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب الدولة، فتهاوت أسعار النفط واعتمدت فنزويلا شبه كليًا على الاستيراد، أدى ذلك -بطبيعة الحال- إلى تسجيل معدلات تضخم قياسية في البلاد، هذا ما خلط أوراق «مادورو» في الاستمرار في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشعبوية غير المقننة المعتمدة بشكل أساسي كما أسلفنا على إيرادات النفط، فتردي الخدمات وزيادة نسب الفقر والبطالة واختفاء الحاجات الأساسية من الأسواق، دفع بالغاضبين إلى النزول إلى الشارع للاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، وأدى ذلك إلى صدامات عنيفة ودموية أحيانًا بين المحتجين وقوات الأمن.

هذه الاحتجاجات العارمة لقيت دعمًا مُطلقُا من المعارضة الفنزويلية التي تتهم «مادورو» منذ فترة بالفساد والفشل الذريع في إدارة موارد البلاد، وتتطالبه بالاستقالة، وتنظيم انتخابات رئاسية جديدة.

من هنا تبدأ المنعرجات الخطيرة في القصة الفنزويلية، مما لا شك فيه أن المعارضة لديها الحق بمطالباتها تنظيم انتخابات رئاسية جديدة تحظى بالنزاهة والثقة من طرف المجتمع الدولي، وأيضًا للمعارضة الفنزويلية كل الحق في المطالبة بمحاسبة الفاسدين الذين زادوا في معاناة المجتمع الفنزويلي الاقتصادية، لكن المرفوض تمامًا هو الاستعانة بالخارج لتنفيذ هذه المطالب، مما سيزيد حتمًا من تفاقم الأزمة التي تعيشها البلاد بدلًا من حلها.

إن إنذار الغرب -تتقدمهم الولايات المتحدة- بإعطاء مهلة ثمانية أيام لـ«مادورو» من أجل تنظيم انتخابات رئاسية جديدة، مهددينه بالاعتراف برئيس الجمعية التأسيسية «خوان غوايدو» رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا لحين تنظيم انتخابات رئاسية جديدة، لهو تدخل سافر في شؤون دولة ذات سيادة، والأسوأ من ذلك هو محاولة البعض الترويج لسحب بعض القادة العسكريين دعمهم لـ«مادورو»، وهو ما يزيد بالتأكيد في تردي الأوضاع المتاخمة للفوضى، وبخاصة الأنباء المتضاربة من وسائل الإعلام الأجنبية حول حقيقة الوضع على الأرض.

الوضع الاقتصادي حقًا متدهور في فنزويلا، وتثبته على الأرض مستويات التضخم القياسية للبلاد والانفلات الأمني الحاصل في مناطق كثيرة من البلاد، وهذا ما ساهم في ازدياد طردي لنسب الجريمة ورحيل المئات من الفنزويليين هربًا من تردي الأوضاع المعيشية، والمستقبل المجهول إن ظلوا هناك.

في الأخير إلى أين تتجه بوصلة فنزويلا؟

هل هناك بصيص أمل للخروج من هذه الأزمة؟

إن المنطق السليم يجعل مفاتيح قطار الخروج من هذا النفق المظلم في أيدي الفنزويليين، أي أن الحل الوحيد للخروج من الأزمتين السياسية والاقتصادية لفنزويلا، هو من خلال الحوار الجاد بين الحكومة والمعارضة والتوافق على رؤية اقتصادية وسياسية واضحة تنتشل من خلالها البلاد من براثن الفقر والفوضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات