في زمن تنقلب فيه الحقائق إلى زيف وسراب، وتُبدّل فيه أدلة المظلومية والبراءة، حتى وإن كانت واضحة الإثبات إلى أداة اتهام مباشرة، وتُصبح فيه الضحية مُدانة رغم أنفها، بل وتُجبر على تقديم الكثير من التنازلات إلى حد الإجحاف بحقها الواضح والبيّن، ولك أن تختار إما أن ترقص في لعبتهم فوق الحبال مثلما ترقص الكثير من الأنظمة الآن، أو أن ترقص تحتها مُعلقًا على مشانق المستعمر أو المحتل، بالوكالة على منصة إعدام سحيقة، كما عُلق عليها ذات أضحى مبارك رئيس، لم يُذعن لضغوطات الغرب على بلده، بعد ما ابتلع طعمهم، وتلقى إيماءاتهم بغزو جارته قبل سنين.
هذا ما أشرنا إليه في الجزء الأول من هذا المقال، ونستكمل اليوم في جزئه الثاني، يا سادة إن كل هذه الحروب والنزاعات والصراعات الدائرة في كل شبر من أرضنا اليوم بدءًا من سوريا والعراق، مرورًا باليمن وليبيا وفلسطين وشبه جزيرة سيناء، هي ليست من أجل محاربة الإرهاب كما يقول أكابرها، وليست من أجل تحقيق الديمقراطية المزعومة، ولا من أجل الإصلاحات وحقوق الإنسان، وما انسحاب «واشنطن» متزعمة هذا الأمر من مجلس حقوق الإنسان منا ببعيد، ولا من أجل معالجة مشاكل الجهل، والفقر، والأُمية، والمرض، والعوز كما يقولون، الحروب القائمة الآن التي تقودها أمريكا، وتنفذ أجندتها دول وجيوش عربية وغير عربية؛ هدفها في الحقيقة هو إخضاع كل أولئك الذين رفضوا الخضوع، هدفها إذلال كل الذين تمردوا، ولا زالوا متمردين على الإرادة الأمريكية، والمشروع الصهيوأمريكي، هدفها معاقبة أولئك الذين أسقطوا مشروع الشرق الأوسط منذ سنوات، وعطلوا تنفيذه وتحدوه في عام 2006 عندما جاءت «كونداليزا رايس» مبعوثة من الرئيس الأمريكي الأسبق «بوش» الابن، ومن الإدارة الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط.

وبعيدًا عن الحساسيات الحزبية والفكرية والمذهبية والنزاعات الطائفية الدائرة قديمًا وإلى يومنا، وقريبًا من حيادية أكثر إنصافًا، هذا المشروع الأمريكي وقتها مَنْ الذي أسقطه؟ ومَنْ كان العامل الأكبر والمساعد في سقوطه؟
الحقيقة إنه أسقطته المقاومة المدافعة عن أرضها في لبنان، التي أفرزت لنا نتيجة حرب يوليو (تموز) عام 2006، أسقطه صمود الشعب الفلسطيني وقت حصاره في غزة من نفس العام، أسقطته أيضًا انتفاضتهم التي لا زالت متواصلة ومستمرة مؤكدة على حقهم في العودة لأراضيهم المحتلة منذ عام 1948 وحتى اليوم، رغم آلاف الشهداء ورغم الحصار والتجويع والإذلال والجراحات الثخينة، أسقطته فصائل مقاومة غزة في الحروب التي فُرضت إسرائيل على شعبهم وكرامتهم بدءًا من حرب الفرقان عام 2008، مرورًا بحرب حجارة السجيل عام2012 ، وصولًا لحرب العصف المأكول عام 2014، أسقطته انتفاضات الشعوب العربية ضد الظلم والفساد الذي ألم بها لعقود طويلة بوعي منها بذلك، وصبر وثبات قبل إجهاض هذه الثورات، والانقضاض عليها من عساكرها، وإلقاء كل من شارك فيها في غياهب السجن والاعتقال وتكميم أفواه البقية، أسقطته دعم بعض الدول لحركات التحرر والمقاومة في الدول المحتلة غربيًا وبالوكالة، والآن هذه الدول التي دعمت تواجه عقوبات وحظر اقتصادي، ووضع على قوائم الدول الراعية للإرهاب نتاج هذا الدعم المختلف الذي تم تقديمه قديمًا وحديثًا؛ لذلك كل هؤلاء عند الإدارة الأمريكية يجب أن يدفعوا الثمن؛ ثمن عدم الخضوع، ثمن التمرد على الإرادة الأمريكية، ثمن المطالبة بالحرية الحقيقية، والسيادة الحقيقية، والاستقلال الحقيقي؛ ولذلك يجب علينا معرفة حقيقة المعركة القائمة الآن «معركة الوعي».

يا سادة المعركة الدائرة الآن هي معركة بين جبهتين، تلك الجبهة ليس قائدها أي مستبد، سام شعبه سوء العذاب، وأحل قومه دار البوار في عالمنا العربي، ولكن قائدها الحقيقي هي الإدارة الأمريكية بهيمنتها وتوغلها في منطقة الشرق الأوسط، التي يقود سياستها الرئيس الأمريكي «ترامب»، وفي الجبهة الأخرى يصطف كل من يرفض الخضوع للإدارة الأمريكية من دول وجماعات ومنظمات وحركات.
هذا هو التوصيف الحقيقي للمشهد الآن، وعلى كل من يرفض الخضوع لأمريكا ولمشروعها الجديد الذي رتبت له، ويتم تمريره الآن في المنطقة، ولا يقبل بوجود إسرائيل بعنتريتها هذه، ويرضخ لشروطها وأوامرها، ويكون من أدواتها، ومن العبيد والخُدام لها، بل ويُساعدها في حفظ أمنها، فليأذن بحرب سواء المباشرة أو بالوكالة، وليستعد لفرض العقوبات والحصار على بلده وعلى شعبه، والوضع على لوائح الإرهاب، وانتظار إشعال أزمات داخل بلده لا مفر منها ولا آخر لها، فعلى كل من يرفض تحمل ضريبة وتبعات الموقف؛ موقف عدم الخضوع والاستقلالية والسيادة، وكثير من الدول والمنظمات والحركات ما جرى لهم في الآونة الأخيرة، وحتى اليوم شاهد على ذلك.
نحن الآن يا سادة أمام مشروع يهدد كل شعوب المنطقة، وآثاره السلبية سيجنيها كل المسلمين المتناحرين والمتقاتلين، الآن سُنة وشيعة، بل وغير المسلمين، وما جنته فنزويلا الآن جراء العقوبات الأمريكية التي فُرضت عليها في العام الماضي، ليس خافيًا على أحد.
يا سادة السياسة الأمريكية الآن في أوضح صورها مع الجميع، حتى مع الأصدقاء والحلفاء، وما نراه من إرهاب بلد هنا بحصار، وبلد آخر بدعم انقلاب من جيشها، وغيرها بانفصال جزء من الدولة، وآخرى بدعم فصيل مسلح البادي منه إسلامي، ولكنه يتبنى تكفير كل من لا يصطف معه، ولا يحمل معتقداته، وبعض هذه الفصائل الجميع يعلم أنها تعمل لصالح جهاز مخابرات وغيره لصالح سفارة دولة، وآخر لصالح نظام بعينه ليتلقى منه كل الدعم والتسهيلات.
هذه هي الحقيقة الآن التي لا أقول غائبة على أحد، ولكن الحقيقة التي يتهرب منها ويتغافل عنها كثير بحجة مواكبة الانفتاح الجديد لشعوبهم، وما والله إلا خضوعًا فوق خنوع قديم، ورضوخًا على إذلال وإجحاف كبير، ولكن عزاءنا أن هناك من لا يزال يُجابه وينافح عن كرامته، وسيادة شعبه، ومقدرات دولته، رغم ضعف الإمكانات، وقلة الناصر والمعين.
وأرى أن الدور الأكبر الآن يقع على عاتق الشعوب، والنخب الواعية بين صفوفها، في تبصير عوام الناس بحقيقة المشهد؛ لأن أساس المعركة القائمة الآن كما قلنا هي معركة وعي، وهذا الذي تراهن عليه الأنظمة والحكام ومتخذي القرار عند الإدارة الأمريكية، والتي تمتلك معظم أوراق اللعبة اليوم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد