في فبراير 1947 تسلم «لوي هندرسون» مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأدنى رسالتين من السكرتير الأول للسفارة البريطانية في واشنطن، تشير الرسالتان إلى عزم بريطانيا على رفع وصايتها التي دامت ما لايقل عن قرن من الزمان على بعض أرجاء العالم.

والسبب أن حكومة الملك تواجه أزمة مالية، ولهذا فإنها لن تتمكن من تحمُّلِ أعباء مقاومة المد الشيوعي في كل من تركيا واليونان، والتي تُقدر ماليًا بخمسين مليونًا من الدولارات، وفي ذات الوقت تخشى بريطانيا من أن يتمكن الشيوعيون من فرض سيطرتهم على اليونان عن طريق حرب العصابات، وعلى تركيا عن طريق هجوم عسكري مباشر، وكان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تبادر إلى سد هذا الفراغ قبل أن يسبقها الاتحاد السوفيتي إليه.

تانك الرسالتان أشعلتا الضوء الأخضر أمام الحكومة الأمريكية لتصبح دولة ذات تأثير في شئون العالم.

– هذا الكلام الخطير ذكره مايلز كوبلاند في كتاب «لعبة الأمم»، وبناءً عليه لم تتردد الولايات المتحدة في ضرورة التحرك السريع لمواجهة المد السوفيتي من خلال بسط النفوذ الأمريكي على دول العالم، فكان قرارهم الذي وصفوه بالمغامرة هو محاولة التدخل في الشئون الداخلية لدولة مستقلة، على أن تكون المحاولة متواضعة محدودة تؤيدها تبريرات كافية دون مساعدة البريطانيين.

– اتخذوا القرار وبقي الاختيار، ففكروا أين ستكون البداية، وسرعان ما وقع اختيارهم على العالم العربي، فهو الأنسب لنجاح خطتهم، ثم أخذوا يتأملون الأوضاع العربية، فتكون سوريا هي نقطة الانطلاق بالنسبة إليهم، أرسلوا رجالهم إلى سوريا التي كان يحكمها الرئيس شكري القوتلي في ذلك الوقت، أخذ الأمريكان يبحثون عن بديل مناسب من وجهة نظرهم ليجلسوه على عرش سوريا، فاتفقوا مع حسني الزعيم رئيس أركان الجيش السوري على خطة الإطاحة بالقوتلي، وفي مارس 1949 يقع أول انقلاب في منطقة الشرق الأوسط، بل والمنطقة العربية، فيجلس الزعيم على عرش سوريا بعد الإطاحة بالقوتلي.

– لم يستمر حسني الزعيم طويلًا في الحكم، ففي أغسطس من نفس العام قام سامي الحناوي باعتقال الزعيم وإعدامه بعد الانقلاب عليه، وتوالت الانقلابات والصراعات في سوريا بحيث أصبح من الصعب على الأمريكان تنفيذ مخططهم كاملًا، لقد يئس الأمريكان من المحاولة في سوريا ولكنهم لم ييأسوا من البحث عن بلد آخر يصلح لتنفيذ المخطط بنجاح.

– في فبراير 1952 توجه كيرمت روزفيلت إلى مصر، ذلك الرجل الذي كان مولعًا بالمغامرات، وقد دفعه ولعه هذا إلى الالتحاق بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، جاء إلى مصر ليشرف على تنفيذ المخطط عن كثب، وكان مخططه ينقسم إلى قسمين، القسم الأول يقوم بتنفيذه الملك فاروق، وهذا ما لم يحدث، فلقد استمع فاروق لمطالب روزفيلت ولم يبال بها «حيث كانت تتعلق المطالب بالإصلاحات السياسية والديمقراطية»، فلجأ روزفيلت إلى القسم الثاني وهو البحث عن بديل يساعده على الوصول إلى سدة الحكم، وقد كان ذلك في يوليو 1952.

– إنها «لعبة الأمم التي لا تعرف اليأس ولا التوقف، هكذا لعبها الأمريكان، حتى وإن فشلوا مرة ومرات فلم يثنهم ذلك عن تنفيذ مخططهم من خلال التطوير المستمر والبحث عن البدائل.

– منذ سنوات قرأت كتاب لعبة الأمم، فأدهشتني عزيمة وهمة المسئولين الأمريكان، وكيف أنهم بدؤوا اللعبة وكيف نفذوها عن جدارة واستحقاق ليتدرجوا في بسط نفوذهم على العالم حتى صاروا القطب الأوحد، كنت أتساءل لماذا لا نكون مثلهم نفكر ونتخيل ونضع الخطط ونحدد الوسائل ونسعى للتنفيذ.

– لماذا لا نفكر في أن نحكم العالم من خلال لعبة الأمم؟ لماذا لا نحاول؟ انشغلت كثيرًا بهذا الأمر حتى قلت في نفسي لماذا لا أحاول أنا في أن أضع مخططًا كما يضعون هم؟ رغم أني لا أمتلك القدرة على التنفيذ ولكن يكفي شرف المحاولة.

– وما سأسطره هنا سيكون انبثاقًا من مقالين سابقين بعنوان «لو كنت حاكمًا أو مليارديرًا لنفذت هذا السيناريو حتى يتوحد العرب»، وبالفعل وضعت سيناريو للوحدة العربية، وسوف أتخيل أنه قد تم تنفيذه على أكمل وجه وأنه يسير في طريق النجاح، وبناء على هذا التخيل «وهو أن العرب صاروا دولة واحدة» سوف أضع مخططًا لضمان البقاء، إذْ إنه لابد للدولة القوية أن تسير في طريقين متوازيين، أحدهما للنجاح والآخر للبقاء.

– سوف أتصور أنني منوطٌ الآن بوضع مخطط البقاء وسيكون منبثقًا كما قلت عن قيام الدولة العربية الموحدة التي فعَّلت صندوق النقد العربي، ذلك الكيان الذي تم إنشاؤه عام 1976 وهو يعمل تحت مظلة الجامعة العربية، أهم أهدافه إصدار عملة عربية موحدة.

– سوف أطالب بأن يكون هذا الصندوق مصدرًا لتمويل تلك المخططات، مهما بلغت تكلفتها المادية، وفي حال الموافقة سوف أسعى لإنشاء جهاز مخابرات عربي سري «بحيث لا يُعرفْ مقره ولا أفراده إلا لعدد قليل من المسئولين»، لاعتبارات شتى سيتم اختيار أفراد الجهاز من تخصصات عديدة منها المخابرات العامة والحربية وخبراء في مجالي السياسة والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والإعلام ومجموعة من الأدباء المهرة من أصحاب النفس الطويل في كتابة الرواية، وذلك من جميع الأمصار العربية، سوف أطلق على المخطط «لعبة الأمم العربية للهيمنة على العالم».

– ومن دلالة عنوان المخطط سوف نحدد القوى الأكثر تأثيرًا وهيمنة على العالم من أجل إسقاطها أو إضعافها، والتي من الممكن أن نقسمها كالتالي «الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الكيان الصهيوني وإيران، دول شرق آسيا».

– ولنبدأ اللعبة على الأراضي الأمريكية، أيًا كانت أيديولوجية وممارسات الإدارة فسنقوم بالآتي، سوف نتصور الآن أن رجال جهاز المخابرات العربي السري يجتمعون الآن في مكان غير معلوم لرسم ووضع نقاط ومراحل المخطط المطلوب تنفيذه، والذي قد يخرج كالتالي:

– إرسال فريق من الخبراء المتخصصين في الإعلام وعلم النفس وعلم الاجتماع والأدباء إلى الأراضي الأمريكية بطريقة غير ملحوظة ومعهم الدعم الكامل، وذلك للتعايش فترةً زمنية مناسبة بين المجتمع الأمريكي لفهم طبيعته وتشريحه تشريحًا نفسيًا دقيقًا، ثم التعرف على عادات وتقاليد وسلوكيات هذا المجتمع لتحديد الثغرات التي يؤتى من خلالها، ثم تحديد أهم أولوياته، ثم البحث عن شخصيات ذات حيثية ناقمة على الإدارة القائمة.

يعود الفريق بعد ذلك بتقاريره لعرضها على المختصين في مجالي السياسة والاقتصاد وغير ذلك لابتكار خطة للمرحلة التالية من شأنها إرباك الإدارة الأمريكية إرباكًا شديدًا يشغلها عن توفير بعض أهم الأولويات والاحتياجات الضرورية للمجتمع.

– في ذات الوقت يتم تجهيز وسيلة إعلامية مناسبة موجهة تكون على أتم استعداد للانطلاق في أي لحظة.

– بالتوازي تكون الدولة العربية «الموحدة» قد اتخذت التدابير اللازمة لمواجهة ما قد ينتج عن اتخاذ هذه القرارت:

1- إسقاط التعامل بالدولار، وهذه النقطة من الأهمية بمكان حيث قال أحد الخبراء الروس في مجال الاقتصاد: إن من أسباب تعجيل الحرب على العراق قرار الرئيس العراقي صدام حسين باتخاذ اليورو عملة للحسابات المالية في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء، فإن كان الإسقاط من قطر عربي واحد، فما بالنا حينما يكون ذلك من المنطقة العربية بأكملها؟

2- المقاطعة الشاملة للولايات المتحدة الأمريكية وتعطيل كل مصالحها في المنطقة، ومعلوم أن من العرب مَنْ لديه استثمارات وحسابات داخل السوق الأمريكية، وهؤلاء تتعامل معهم الدولة بما يقتضيه الواقع والمصلحة العامة.

3- يمكن الاستعانة بدول شرق آسيا والحصول على دعمهم ومساندتهم من خلال تضاعف التبادلات التجارية والصناعية، وهذا ما يضمن عدم مساندتهم للأمريكان.

هذه النقاط من الممكن أن تتسبب في إحداث شيء من الإرباك للإدارة الأمريكية.

4- استغلال العرب المقيمين بالولايات المتحدة في تحريك الشارع الأمريكي ضد إدارته.

5- عند انطلاق الشرارة الأولى للاحتجاجات الشعبية تنطلق الوسيلة الإعلامية الموجهة للمجتمع الأمريكي بلغته وبخطاب ممنهج هادئ، يتصاعد مع تزايد الاحتجاجات.

6- بث أهم سلبيات الممارسات الأمريكية التي مارستها في حق الشعوب الأخرى مع الإلحاح والتكرار لإيصال رسالة إلى الشعب الأمريكي مفادها أن الممارسات الخاطئة للإدارات الأمريكية المتعاقبة هى التي تسببت في انفجار هذه الأوضاع وذلك لاتساع الهوة وصنع حالة من العداء بين الشعب والإدارة.

7- البدء في تلميع شخصيات تُكِنُّ العداء للإدارة القائمة لاستمالة المجتمع كي يسلك مسلك العنف.

وقد تستمر الأحداث لفترة طالما أن الضغط العربي متواصل وقد نرى ما لا يخطر لنا على بال، فقط إن حاولنا في ذلك.

في المقال القادم إن شاء الله أتناول بقية المخططات لكل قوة من القوى التي ذكرتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دولي, سياية, عربي(

المصادر

لعبة الأمم لمايلزكوبلاند
عرض التعليقات
تحميل المزيد