اليوم وأكثر من أي وقت مضى، أصبحنا بحاجة للوصول إلى إجابة مقنعة لسؤال أرى أن في فهمه بمعناه الحقيقي نصف الإجابة، واليوم نحن بحاجة لفهم من يسقط من؟ أو من يرغب في إسقاط من؟ فإن فهمنا السؤال حق الفهم فذلك نصف الحل، وإن وجدنا الإجابة فثم الحل كله.

في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) 2019، وإن كانت شرارة الحراك مجهولة المصدر، إلا أن السؤال كان واضحًا، وبالتالي فالإجابة أيضًا كانت واضحة؛ لأن السؤال كان: ماذا يريد الشعب؟ والإجابة كانت غلق الطريق أمام قطار العهدة الخامسة، وبالتالي غلق الطريق أمام العصابة، ومنعها من الاستمرار في التحكم بمصير الشعب، ولا شك أن العصابة آنذاك قد كانت معروفة طالما أنها مجتمعة في قطار العهدة الخامسة والمتعارف عليه أن العصابة تجتمع مرة كل خمس سنوات، وعندما اجتمعت قبيل الانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا إجراؤها في أبريل (نيسان) 2019 فقد كان من السهل أن يتم القبض على كل أفرادها «ما ينقصش منهم صعلوك واحد».

الآن، وبعد أن تحققت رغبة الشعب في «شل العصابة» وبالتالي إنهاء الوصاية البوتفليقية على الجزائر اتضح أن هناك مشاكل فرعية أهمها ظهور عصابات متصارعة تحاول كل واحدة منها أن تلعب دور الجوكر الذي بإمكانه تحقيق «الريمونتادا»، وإنقاذ بقايا العصابة من السقوط، بل إعادتهم إلى الواجهة من أجل تثبيت أقدام عصابة بديلة في الحكم.

شخصيًا لا يمكنني اليوم أن أثق في شخص يخرج كل يوم جمعة مطالبًا بالتغيير باسم حب الوطن، وهو من كان قبل عام وبضعة أشهر من أكبر المساندين للرئيس المقال عبد العزيز بوتفليقة، ليس ذلك فقط، بل إنه كان ولا زال مناضلًا معروفًا بولائه لعمر غول، وهو نفسه من قام بحشد الشباب لاستقبال رشيد نكاز قبل الحراك، وهذا الشخص نفسه من يخرج مطالبًا بما يسمى دولة مدنية «ماشي عسكرية» ثم ينشر عبر صفحة على «فيسبوك» كلامًا يمجد الجيش وقائد أركان الجيش، وهو من يرفض إجراء الانتخابات كل يوم جمعة ويسارع يوم السبت إلى المناداة بإجراء الانتخابات، وهذا طبعًا ليس مدربًا على النفاق في سلسلة فكاهية، بل شاب معروف في مدينة باتنة وأمثاله في بقايا الحراك كثر.

من جهة أخرى كيف يمكن أن أثق في شخص نصب نفسه وصيًا على الحراك في ولاية الجلفة، وتناقل العديد من الصفحات على «فيسبوك» مقطع فيديو يظهره على أنه بطل قومي أو «نايلي حر»؛ لأنه قام بعرقلة تنصيب مندوبية للسلطة المستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات، وهذا الشخص من كان يتغنى قبل أيام عبر إحدى وسائل الإعلام الجزائرية بضرورة الإسراع في إجراء انتخابات، أليس من المنطقي أن يفهم من خلال تصرفه الأخير بأنه قد جسد مبدأ «نلعب ولا نحرم؟» بمعنى أنه كان ينتظر أن يكون عضوًا في اللجنة، وحين تم استبعاده عاد ليظهر في ثوب البطل الرافض للانتخابات؟

كيف أثق في من خرجوا باسم حراك الطلبة، وقد تجاوزوا الأربعين من العمر، وتم اعتقالهم بسبب استفزازهم لعناصر الأمن في العاصمة بعبارات منافية للأخلاق، وبالسب والشتم، فسوقت وسائل إعلام عميلة على أن تصرف الشرطة يدخل ضمن ما يسمى القمع؟ فمنذ متى كان الطلبة الواعون الذين قيل إنهم «للمجد بناة» أن يهينوا حماة الوطن ويقللوا من شأنهم؟ أو ليست هيبة الوطن والدولة في نظر الطلبة الحقيقيين من هيبة رجال الأمن فيها؟ لهذا فمن الخيانة ومن السفالة والحقارة أن تصور عصابة تسب الدولة على أنها مجموعة من الطلبة.

الحقيقة اليوم هي أن بلادنا قد دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا من المرحلة التي كانت تحكم فيها العصابة، فالعصابات تشابهت علينا، ولم نعد نفرق بين من يخرج من أجل الوطن حقًا وبين من يتم إخراجه واستعماله للوصول إلى غايات ومصالح ضيقة باسم الوطن؟ والحقيقة أن إصلاح الأمور اليوم بات أشبه بعملية تغيير «لمبة» محروقة تحطمت وتفككت وتفتتت أثناء نزعها، وبالتالي فقبل تثبيت مصباح جديد بات واجبًا علينا التخلص من بقايا المصباح القديم حتى وإن اضطررنا لاقتلاع الخيوط القديمة، وما يلحقها، وإلا فلا أمل لبلادنا في النور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد