وقف صديقنا أمام إحدى المحلات يتأمل إحدى المعروضات إلى أن وجد ما يطمع في امتلاكه، عد ما في جيبه من مال وقرأ السعر المكتوب عليها، وجد أنه لا يستطيع الشراء وأدهشه ذلك لأنه منذ عهد قريب كان ما في جيبه يكفي لذلك.

خرج المريض من عند الطبيب شاكيًا مرضه، راجيًا في وصفة الطبيب الشفاء، ذهب إلى الصيدلية لكي يحضر العلاج وجد أن ما بجيبه لم يعد كافيًا لشراء دوائه، فرجع ناكصا على عقبيه خائب السعي، ولم يجد بدًا من الانتظار حتى يدبر المال.

ارتفعت الأسعار، حلت المصيبة بالطبقة الفقيرة من المجتمع حلول الليل على تائه في الصحراء، ولم تتأثر بذلك الطبقة العليا أو أصحاب النفوذ أو كما يدعوهم البعض “كريمة المجتمع” أو “الأرستقراطية” فحياتهم لم تتأثر بذلك البته. أما الطبقه الوسطى من عامه الشعب فتأملت الموقف فتحرك شعورهم وساد خوفهم، إلى أن وجدوا نفسهم بين شقي الرحى، أو كأنهم كرة معلقة في طرف بندول، تلعب بهم الأيام بين لعبه الغلاء والرخص، وأخذ كل منهم يخزن أمواله ويسعى كما يسعى الجميع بالاستقرار في مكان ينعمون فيه بالحياة ويحققون به أحلامهم التي لم يستطيعوا إلا أن يتخيلوها أو يرسموها.

ومع مرور الأيام يتسع الفارق بين الأغنياء والفقراء وتبقى الطبقه الوسطى أرجوجة مهددهً بالسقوط من فوهة البركان إلى طبقه الفقراء التي اكتسبت خاصية التكيف مع المعاناة.

نظر أفراد كل طبقة إلى من تحتهم نظره ترقب، ينتظر الجميع صياح أحدهم، أو حتى القيام بأي رد فعل. ولكن الجميع علم أن الخوف قد تمكن من الجميع، وبقي الوضع كما هو عليه حتى إشعار آخر.

كانت طموحات الشعوب العربية حين قامت ثوراتهم تتغنى بمصطلحات (عيش حرية عدالة اجتماعية)، ولنتحدث قليلا عن هذه الأخيرة، فهي السعي إلى إزالة الفوارق الاجتماعية أو التخفيف منها بين طبقات المجتمع والمساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص وتوفير السلع الأساسية لجميع البشر كغذاء ودواء ووضع حد أدنى للأجور ومساعده الفقراء حتى يحيوا حياة كريمةً يستغنون فيها عن المسألة، فهل حدث هذا!

إن التصرفات غير المبررة أو التي يراها الجميع حتى الأعمى منهم (غبية) ممن تملكوا زمام الأمور بعد الثوارت (سواء اجتماعية أو اقتصادية أو حتى سياسية) وعدم معرفه حتى أسباب الثورة أو الالتفات لتحقيق آمال الثوار قبل أدت إلى اتساع الهوة الاجتماعية بين الطبقات بدلا من إخفائها او حتى التقليل من وطأتها، فالغني ولد ليظل غنيًا والفقير أصبح أشد فقرًا وأشد عجزا عن الغني حتى ولو سعى إليه. والطبقة الوسطى أصبحت من الفقراء ودخلت مجموعة كبيرة منها تحت خط الفقر.

ما الحل؟!

كلنا نسعى إلى إجابة لهذا السؤال، وبعد تفكير يستغرق ساعات نقول (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا).

أعزائي الشهداء، طبتم وطاب مثواكم وتبوأتم من الجنة منزلًا. لو عاد الزمان ورأيتم ما نحن فيه بعد سنوات من الثورة والمطالبة بالحرية، هل ستمضون قدما لتفعلوا ما فعلتموه وإن كانت النهاية واحدة! أم سيملأ اليأس قلوبكم كما ملأ قلوبنا؟ وسيسعى كل منكم إلى نفسه أو إلى الهجرة إلى مكان آخر يقدس البشر به الحرية ويسعون إليها ما دام فيهم رمق من حياة.

ولنتذكر أمل دنقل حين قال في رائعته الطواحين:

هذه الأرض التي ما وعد الله بها
من خرجوا من صلبها
وانغرسوا في تربها
وانطرحوا في حبها
مستشهدين
فادخلوها بسلام آمنين
ادخلوها بسلام آمنين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد