يقول مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون: «إن الُملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة، فلا بد من العودة إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية».

والمُلك هنا هو المجد والعزة والريادة.

شباب في مواجهة الانقلاب الدموي في مصر

عاش العرب على امتداد قرون صنّاعًا للحياة، أصحاب رأي وعلم، بُناة الحضارة، حتى أصابهم ما أصابهم، وتأخروا عن ركب الأمم وأصبحوا عن الحضارة متخلفين.

أوغل الاستعمار في جرح العرب، وأضاف إلى خيباتهم خيبات جديدة، وعمل على توسيع الهوّة الحضارية معهم.

وإن ناضل نخبة من العرب ضد الاستعمار فكان منهم الأبطال والشهداء، وقد خلّدهم التاريخ، فإن الأمة في غالبها أُصيبت بمرض أطلق عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).

غادر المحتل جلّ الأقطار العربية، إلا أن نفوذه وسياساته تواصلت في المنطقة، وإن حاول أجيال من المناضلين إنهاء هذه الوصاية وتحقيق التحرر المنشود، فإن محاولاتهم جوبهت باستبداد ورضوخ الحكام الجدد للقوى الاستعمارية، وتواصلت تبعية العرب وتأخرت نهضتهم، حتى جاءت ثورات الربيع العربي حاملة مشاعل أمل جديد في انبعاث جيل من رحمها يعيد للأمة عزتها ويحقق لها نهضتها.

يتميز جيل الثورات العربية بجملة من الخصال التي تؤهله بأن يكون جيل النصر المنشود الذي عرفه العلّامة يوسف القرضاوي بأنه (ذلكم هو الجيل الربانيّ الخصال، الإنسانيّ الصفات، جامعُ الفضائل، تلك هي مميزات جيل النهضة والنصر المبين).

جيل وريث لأجيال مناضلة

عملت أنظمة الاستبداد على ترهيب الأجيال المتعاقبة لتكون عبرة للاحقين فملأت السجون بجحافل المناضلين وعلّقت المشانق للمعارضين.

ساهمت الملاحم النضالية التي عرفتها البلدان العربية على امتداد عقود، في أن يخرج من صُلب ضحايا الاستبداد ومن رحم مأساتهم جيل وفيّ لتضحيات مَن سبقوه، جيل تخطى حاجز الخوف وضرب بمغريات الأنظمة ووسائل التخدير والإلهاء عرض الحائط، ليرسم ملحمة بطولية ذات ربيع، حيث خرج عاري الصدر سلميّ المنهج مواجهًا جبروت الاستبداد وظلمه، فكان ظلم الاستبداد وقهره للشعوب مُحركًا للأجيال الجديدة، وزارعًا فيها الإيمان بالثورة منهجًا للتغيير وسبيلًا لكسر شوكة الاستبداد.

جيل منفتح على العالم

ساهمت العولمة والثورة التكنولوجية في كسر الحواجز التي ضربها الاستبداد على مدى سنوات على شعبنا العربي، حيث لعب الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي دورًا أساسيًا في الرفع من وعي الأجيال الجديدة، وتوقها للحرية والديمقراطية والكرامة، وآلية من آليات نجاح الثورة حيث وظفها الثوار في التواصل فيما بينهم لإعداد التحركات ونشرها للعالم.

بالإضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، كان للقنوات الإخبارية الفضائية الحُرة دور مهم في الرفع من الوعي السياسي للشباب وتقديم روايات مُغايرة عن الروايات الرسمية، بالإضافة إلى الدور الريادي في تغطية تحركات الثورات، وفضح بشاعة الأنظمة في التصدي لها.

جيل صاحب رؤية ومشروع

لم تكن ثورات الربيع العربي ضربًا من العبث، بل كانت أرضيتها واضحة لمن آمن بها وشارك فيها، مُثّلت هذه الأرضية رؤية جيل الثورة لمستقبل الأمة ومشروعها للتحرر من التبعية للاستعمار، ومخلفاته من إنبات وجهل.

يتلخص مشروع جيل الربيع العربي في شعاراته المركزية التي كانت دافعة له في تحركاته ضد أنظمة الاستبداد، والتي تتمحور حول مطلبي الحرية والكرامة، والمقصود بالحرية هو الانعتاق من أغلال الاستبداد، والالتحاق بركب الأمم الديمقراطية، أما الكرامة فتشمل الاجتماعية من تحقيق العدالة الاجتماعية، والسياسية من تحقيق السيادة الوطنية، والاقتصادية عبر بناء اقتصاديات وطنية مستقلة، والثقافية بتحقيق التجذر في هوية الأمة العربية والإسلامية، والقطع مع كل أشكال الإنبات، والتغريب دون السقوط في مربع الانغلاق والتعصب.

جيل صامد

 جرحى الثورة في تونس

مثّل مشروع ثورات الربيع العربي خطرًا على القوى المتآمرة على الأمة، ووكلائهم في المنطقة، فتم التخطيط لمؤامرات عليها بهدف تعطيلها وإفشالها.

اعتمدت القوى المضادة للثورات عدة أساليب للحيلولة دونها دون تحقيق أهدافها.

نجح المتآمرون في تعطيل مسار الثورة في مصر عبر الانقلاب الدمويّ على الثورة و ممثليها، وفي سوريا عبر توظيف الإرهاب لتشويه النضالات السلمية لشباب الثورة وتشريد السوريين، وفي توظيف المعطى المذهبي لضرب الثورة اليمنية، وفي توظيف المعطى القبلي في تعطيل الثورة الليبية، كما حاولت زعزعة التجربة التونسية عبر دعم الفوضى وانصارها، إلا أنها فشلت في الحد من حماسة الشباب وإرادتهم وشغفهم بالحرية في مختلف أقطار الربيع العربي، حيث ما زال هذا الجيل يقاوم قوى الثورة المضادة في مختلف الشوارع العربية، وعبر كل الوسائل الممكنة وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، وما زال يناضل من أجل تحقيق حلمه في التحرر والديمقراطية.

لم يستسلم هذا الجيل أمام دموية السيسي، ولا إرهاب الأسد، ولا أموال السعودية والإمارات مواصلًا كفاحه في سبيل الحرية والكرامة، كفاح هذا الجيل ضَيّق الخناق على الأنظمة وكشف وحشيتهم، وعرّى نفاق الغرب وزيف مقولاته.

جيل الأمل

شباب فلسطين

 

عرف الربيع العربي في السنوات الأخيرة محاصرة حتى كثر الحديث عن نهايته وفشله، إلى أن أتى حراك الشباب في السودان والجزائر حراكًا شبيهًا بما حدث منذ ثماني سنوات في تونس ومصر وليبيا والمغرب وسوريا واليمن.

وبقطع النظر عن مآلات الحراك، الذي قد ينتهي باستيعاب السلطة في البلدين للحراك واستجابتها لمطالبه دون أن يحدث تغيير، كما حصل في المغرب، فإن المطالب المرفوعة في التحركات تُفنّد كل مقولات نهاية الربيع العربي، وتؤكد بأن تحت الرماد اللهيب، وأن حركة التاريخ التي انطلقت في ديسمبر (كانون الأول) 2010 بمدينة سيدي بوزيد بتونس لن تتوقف إلا والعالم العربي يعيش دورة حضارية جديدة، تُحقق لشعبنا العربي نهضته وتعيد له مجده، دورة حضارية جديدة تُحقق الحرية والكرامة وتُرسخ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتستأصل ورم الكيان الصهيوني الغاصب من أرضنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد