مصر معمل ديموجرافي تاريخي؛ ولكنه حي، سابق وغير مسبوق، ولا مثيل له في عالم أو علم السكان على الأرجح.

بكلمات من دراسة الراحل (جمال حمدان) عن شخصية مصر أبدأ موضوعي، الذي لا يتعدى ما هو أدنى مرتبة من القشور في تاريخ ذلك البلد، والذي لا يزال منه المجهول، أو الغائب عن بعض من أبنائها، وقد يظن من يقرأ هذا الموضوع – وله كل الحق في ذلك – أن كوني مواطنًا مصريًا هو ما يدفعني إلى تمجيد هذه البلاد.

لكن الأمر الذي استوقفني، وقد يستوقفك أيضًا، هو العداء غير الطبيعي الذي أنتجته الصراعات السياسية بين شريحة عريضة من المعارضين والمؤيدين لسياسات النظام الذي يحكم مؤسسات الدولة، والذي تحول فيما بعد ضد تلك المؤسسات ذاتها وليس ضد النظام السياسي، فولد قوة دفع تولي رعايتها ذوي المصالح، فوجهوا مصادر القوى الناعمة ناحية تقويض عصور التألق والعظمة من تاريخها لحساب عصور الفوضى والاضمحلال، لزعزعة الثقة في الثقافة التي توارثها المجتمع عبر هذا التاريخ، وهذا خطير.

وهناك من يصح عليه القول (شر البلية ما يضحك!) وهم من ينتقدون الوضع الحالي للدولة في معناها العام – شعبًا وإقليمًا وتراثًا ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا – نقدًا هدامًا لا يقدم شيئًا مفيدًا بقدر ما يضر، فقط من أجل تفاهات – يعتبرونها مكسبًا – قد لا تتعدى في بعض الأحيان عدد الإعجابات على صفحات التواصل الاجتماعي، وما أكثرهم.

وأثناء قراءة المشهد المعاصر وإجراء عملية الربط التاريخي بين حدثين ما تبرز المغالطة التاريخية كخلل مزمن في عقليتنا العربية، سواء عن قصد (تدليسًا) أو عن جهل (عدم إلمام بأغلب تفاصيل الحقبة محل الربط)، وإن كان الأول جريمة فإن الثاني كارثة. فالأمر المرفوض هو قراءة التاريخ قراءة خاطئة قد تزيفه أو قد تعبر عن جهل عميق بهذا العلم المحافظ، وقواعده الصارمة وغير القابلة للتغيير أو التجزئة.

فاسترجعت تعريف (ابن خلدون) في مقدمته حين قال: إن التاريخ هو خبر الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، والعصبيات وأصناف تغلبت البشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث في ذلك العمران لطبيعته من الأحوال.

ووجدت أن العناصر الأولية في أي معادلة تاريخية دائمًا ما تكون ثلاثة ألا وهي: (العنصر البشري والعنصر الجغرافي، والعنصر الذي يتمخض عن تفاعل العنصرين السابقين من تراث ثقافي وتجارب سياسية) فتكون الدولة، ثم نحصل إذا أضفنا عامل الاستقرار المكاني والزمني على الحضارة ثمرةً للتفاعل بين تلك العناصر سواء كانت أثرًا ماديًا كالمعابد والمباني أو معنوية كالتراث الفني والشعبي المتوارث عبر الأجيال.

ولكي لا نقع في مستنقع التعميم، أنوّه مرة ثانية، ليس كل معارض يدين بالولاء لقوى خارجية، وليس كل معارض منتميًا لتيار الإسلام السياسي هكذا، وكثير من يهمهم مصلحة الوطن ولكن يفتقرون للمعرفة والتنظيم.

باختصار.. من هي مصر؟ وما هو تأثيرها على العالم القديم؟

الحقيقة أن الكلمات لا تسعفني في وصف سحر وعبق التاريخ المصري الذي يعود لآلاف السنين، ومن تسعفهم فقد كتبوا آلاف المؤلفات خلال الأعوام المائة الماضية، وما زالوا. فكل حقبة تاريخية في مصر هي امتداد طبيعي لسابقاتها ولتاريخ واحد وثقافة واحدة احتوت ثقافات أجنبية عدة وخلقت منها مزيجًا فريدًا متجانسًا، يجعل المرء قد لا يفرق بين ما يراه من بيوت طينية في الأقصر وإدفو القرن الحادي والعشرين وبين بيوت طيبة وإدفو القديمة التي يكتشفها الأثريون على الدوام وأشياء أخرى كثيرة. كذلك روح الفن والعمارة المصرية التي تتحدى الزمن وتعبر عن فكر مبدع جعلت نابليون بونابرت يقف صامتًا أمام هيبة أبي الهول.

كثُر الحديث عن أمجاد قدماء المصريين، سنوسرت الثالث وتحتمس وسيتي ورمسيس وغيرهم الكثير، وإمبراطوريتهم في الشام والسودان، حين كان الحكام هم أبناء مصر. ففي العصور الكلاسيكية تحملت مصر عبء مَسئولية استقرار تلك المنطقة الواقعة من دمشق شرقًا حتى ليبيا غربًا ومن أقصى شمال سوريا حتى السودان جنوبًا، فقط لأنها تقع على مفترق طرق بين آسيا وإفريقيا. حتى غاب هذا الدور منذ دخل (قمبيز) – خليفة قورش مؤسس الإمبراطورية الأخمينية الفارسية – مصر في النصف الأخير من الألفية الأولى قبل الميلاد، وحتى النصف الثاني من الألفية الأولى بعد الميلاد.

لكن انظر معي على سبيل المثال لا الحصر هرم خوفو، ذلك الصرح الذي وقف شامخًا على مدار ما يزيد عن خمسة آلاف عام، شاهدًا على عبقرية هذا الشعب وهذه الحضارة التنظيمية الإدارية، والهندسية، والفكرية. فتتساءل؛ كيف كان شكل الجهاز الإداري الذي نظم وأعد وأمد ذلك المشروع بالمواد الأولية والموارد البشرية؟ وتتساءل هل قصد قدماء المصريين أن يكون ارتفاع الهرم 148 مترًا، والذي إذا ضرب في مليار يعطينا المسافة بين الأرض وقرص الشمس الذي يمثل أبا الآلهة المصرية رع؟ وإن كانوا يقصدون، فبأي وسيلة حسابية توصلوا لهذه المعلومة؟ ومن الناحية الهندسية قد تتعجب أن الهرم الأكبر يقع في مركز الأرض ويقسمها لقسمين متساويين، ويزداد هذا التعجب عند معرفة أن جوانبه الأربعة تشير للاتجاهات الأربعة! أما الغرض الفكري منه، أن يكون مقبرة لخوفو أعظم ملوك الدولة القديمة ومسكنه الأبدي في الحياة الأخرى وفقًا للعقيدة المصرية القديمة، وما زال البيت صامدًا. وغير هذا الكثير من المعلوم عنه والذي لا يزال مجهولًا.

أي أن الشكل العام لا يوحي بمجرد دولة حكمت مساحة شاسعة من الأراضي وخضعت لها البلاد الواقعة بين النوبة والسودان جنوبًا حتى سواحل وسهول سوريا شمالًا. وليس أيضًا مجرد بلد رزح تحت نير الاحتلال الأجنبي المتعاقب بمجرد سقوط واندثار الدولة الحديثة لاحقًا وتم مسخ هويتها، بل تركت هي في المحتل ذاته أثرًا ثقافيًا عميقًا قد لا يتناسب مع قلة ما تأثرت هي به جراء تبعيتها لذاك المستعمر.

بل تقودنا آثارهم إلى حضارة وضع أساسها نهر يجري كشريان أزرق وحيد في جسدها الأصفر فيصبغ بضعة كيلومترات على ضفتيه في الجنوب بالصبغة الخضراء حتى يتخذ شكل ورقة اللوتس في الشمال، فنشأ على ضفتيه الفلاح الذي يُقدِّس الماء أولًا ثم الأرض ثانيًا بالشكل الذي يجعله يتقبل وجود نظام سياسي وقانوني قوي يوفر له الإمداد الثابت بالمياه عن طريق إنشاء الجسور والسدود والترع ويحل ما يعترض ري الأرض من مشكلات. وهذا الاستقرار والنظام استتبعه خصوبة فكرية دينية والتي كانت العامل الرئيس في نحت ملامح مجتمعات العالم قديمًا، ونتج عن ما سبق نهضة في العلوم التطبيقية كالطب والهندسة وغيرها من العلوم.

لذلك حين تدخل أو تتسرب عناصر أجنبية إلى المجتمع المصري فإنها إما أن تحتويه فتُمَّصِره وإما أن تلفظه خارجًا، لهذا احتفظ المجتمع بنقاء الثقافة المصرية وعاداتها وتقاليدها المستقاة من العقيدة الدينية المصرية، ومع ذلك لن أتطرق لذكر كيف احتضنت تلك الأرض الديانة المسيحية في عصور الاضطهاد سواء في عهد الإمبراطورية الرومانية الوثنية، أو في عهد الإمبراطورية الرومانية الشرقية المسيحية التي كانت تختلف مع الكنيسة القبطية في مصر حول طبيعة المسيح.

وخلاصة القول أن مصر برهنت على تفردها بطريقة مثيرة، حيث كانت إقليمًا جامعًا لثقافات الشعوب وملتقى الطرق بين الحضارات، وفي الوقت ذاته مانعًا لتأثرها بتلك الثقافات وحافظة لهويتها الاجتماعية، وأثرت على عقائد وثقافة حضارات فلسطين والشام القديمة، ونقلت عنها بلاد الإغريق – منشأ الحضارة الهيلينية – بعض العلوم والمعارف خلال العصر المتأخر خلال القرون الخمسة التي سبقت ميلاد السيد المسيح مباشرةً، وكانت خير مُعلم لبلاد الجنوب سواء النوبة أو السودان أو بلاد بونت (إريتريا وجيبوتي حاليًا) وفي ذات الوقت خير ذُريَّة وممثل للقارة السمراء.

ماذا قدمت مصر للإسلام؟

تكررت الملحمة على مر العصور باختلاف أنظمة الحكم – أجنبية كانت أم مصرية ذات أصول أجنبية (متمصرة) – وباختلاف انتماءات المجتمع المصري لقضايا وعقائد دينية أخرى. ولكن المحطة الثانية سوف تكون بعد ألف عام تقريبًا منذ دخول الأخمينيين الفرس مصر حوالي العام 225 ق.م، فنركز على  الأحداث منذ دخل عمرو بن العاص حصن بابليون القابع في ما عرف فيما بعد باسم حي مصر القديمة في العام 642م.

 ولأن العقيدة الدينية هي التي شكلت تقاليد وأعراف المجتمع المصري منذ الألف الخامسة من الميلاد، ولأن عقيدة التوحيد متأصلة داخل الوجدان المصري منذ إخناتون في الربع الثالث من الألفية الثانية قبل الميلاد وتغلغلها التام في الجينات المصرية منذ دخول المسيحية مصر في القرن الأول بعد الميلاد، فإن مصر تقبلت الإسلام الذي يمثل امتدادًا طبيعيًا للمسيحية، بل ظل مفعول العنصر الجغرافي ساريًا بقوة حيث انصهر العنصران المسيحي والإسلامي في بوتقة وادي النيل واحتوتهم الثقافة المصرية كما تعودت منذ نشأتها.

فمصر الخلافة الراشدة تصدت لمحاولات الروم البحرية لاسترداد مصر ووضع الشام في كسارة البندق وكانت أشهر تلك المحاولات (ذات الصواري) فغرقت هيبة بيزنطة البحرية مع حطام سفنها. ومصر الأيوبية هي التي حملت مشاعل الجهاد والنور أثناء فترة حالكة الظلام تعرض فيها الشرق الإسلامي للعدوان الصليبي، فكانت القاهرة بمثابة الصخرة التي تحطمت عليها أحلام الفرنج، واستطاع السلطان (صلاح الدين) الانطلاق من قلعة الجبل لتوحيد الجبهة على امتداد مصر والشام ويهزم الصليبيين ويسترد بيت المقدس ويحصرهم طبقًا لصلح الرملة مع (ريتشارد قلب الأسد) في شريط ساحلي بين يافا وصور وعكا.

وشهد دار ابن لقمان في المنصورة على الإذلال الذي تعرض له ملك فرنسا لويس التاسع الذي قاد الحملة الصليبية السابعة. وتروي شوارع القاهرة ذكرى انتصار السلطان المملوكي (الأشرف خليل بن سيف الدين قلاوون) على آخر ملوك (آل لوزينان)، الذين اتخذوا قبرص قاعدة إغارات وقرصنة بحرية على العالم الإسلامي خاصة على الإسكندرية، ومسيرة آخر ملوك مملكة بيت المقدس اللاتينية الذليلة في شوارع قاهرة المعز.

وحين تعرض الشرق الأوسط لطوفان المغول الوحشي والذي انهارت أمامه الصين والدولة الخوارزمية والدولة العباسية لم يستطع وقف هذا الوباء سوى (القاهرة) المملوكية والمصريين. وبعد انتصار المماليك في عين جالوت وبعد مقتل (سيف الدين قطز) أمر (الظاهر بيبرس البندقداري) باستقدام الأمير العباسي إلى القاهرة وتمت مبايعة الأمير العباسي (أبي القاسم أحمد) الذي لقب (بالمستنصر بالله) خليفةً للمسلمين تمهيدًا لإعادته لبغداد وإعادة إحياء الخلافة العباسية، ولكن ظلت القاهرة على مدى القرون الثلاثة اللاحقة مقرًا للخلافة العباسية حتى نقلها السلطان (سليم الأول) قسرًا إلى القسطنطينية.

ماذا قدمت مصر لعالم العصر الحديث؟

هل لي أن أذكرك أن مصر وبعد أن نهض بها (محمد علي باشا) مؤسس الدولة الحديثة ومنذ أن تحررت – وإن كان شكليًا ما زالت ولاية – من السلطنة العثمانية منذ العام 1825م، وأنعش (محمد علي) ما كان يحاول من يَدَّعون أنهم خلفاء قائمون على رعايا شئون المسلمين في إسطنبول خنقه، ازدهرت مصر اقتصاديًا وإداريًا وعسكريًا، وارتفعت بثبات كفاءة العنصر المصري في الإدارة والتعليم والجيش، وتوسعت إمبراطورية (محمد علي) حتى دق أبواب حديقة السلطان العثماني الأمامية ووصلت جيوشه إلى آسيا الصغرى (الأناضول).  وبالرغم من أن اتفاقية لندن 1840م سلبته كل هذا بعد أن تكتلت عليه دول الحلفاء، إلا أنها كانت مقدمة للنهضة الفكرية العربية الحديثة التي مثلت مصر جناحها الأول ومثلت بلاد الشام (سوريا ولبنان) جناحها الثاني.

وكانت غيرة الفلاح على أرضه محركًا لمقاومة لم تهدأ ضد الاستعمار حتى وَقَّع الضباط الأحرار اتفاقية الجلاء مع بريطانيا في أكتوبر 1945م. وبعد أن عاد العنصر المصري للحكم بعد غياب ألفيتين ونصف الألفية تقريبًا خاض معارك سياسية لا تعد ولا تحصى ضد الاستعمار الأوروبي، فكافح مع أشقائه العرب حتى حصلت الدول العربية جميعها على استقلالها عدا فلسطين، ووقف بحزم وراء مطالب دول عديدة لا هي عربية ولا إسلامية لتقرر مصيرها حين كانت مصر أبرز دول عدم الانحياز، فيمكن القول إن مصر كانت من أهم عناصر تجفيف منابع قوى بريطانيا وفرنسا قطبي العصر الحديث.

وبعد نكسة 67 التي استولت على أثرها دولة الاحتلال الإسرائيلية على سيناء والجولان والضفة الغربية للأردن والقدس كانت مصر، الشقيقة الكبرى للعرب، بمثابة القلب والعقل لجسد العربي، فكان انتصارهم في أولى الحروب الإلكترونية في التاريخ عام 1973م نقطة تحول أولى كسرت بها سلسلة انتصارات جيش الدفاع الإسرائيلي على العرب منذ نكبة مايو 48، وحطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، واستعادت شرف العسكرية المصرية والعربية، فكيف لي أن أنسى الملحمة الخالدة التي وصفتها قيادات واشنطن وتل أبيب بالزلزال؟

نصيحة لكل من يقرأ في تاريخ «هبة النيل»

لقد صنعت مصر تاريخها على مر العصور ليبقى شاهدًا على عظمة هذه الواحة وتلك الحضارة التي صنعتها أمة عشقت تراب الأرض والوطن، ودافعت عن قضايا قومية انتمت إليها مصر على مدار تاريخها الممتد منذ الألف الخامسة قبل الميلاد حتى اللحظة. ولا تزال أرض الكنانة، كما هي، حصن الشرق العتيد الذي تصدى لفوضى الربيع العربي التي استغلتها بعض القوى الإقليمية والدولية، وحولت مسار رغبة الشعوب العربية في التغيير إلى غضب يائس كعنصر لتخصيب تلك الفوضى فكادت أن تقضي على الأخضر واليابس بالمنطقة بأكملها.

وبالرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي تمر بها الآن، والتي لا تشكل سوى خيط رفيع في نسيج تاريخ ما مرت به تلك الدولة العتيقة من أزمات قد تطول ولكنها لا تستمر للأبد، إلا أنها لا تزال تتحمل عبء قضايا القومية التي تنتمي إليها منذ خروج الروم منها، ففُرض عليها أن تكون من دول مركز الحضارة الإسلامية.

 لذلك أرجو إعادة تنشيط العضلة المستكينة التي تدعى العقل والتي لا نستخدمها نحن معشر المصريين والعرب إلا في النقد الهدام ونستصلحها كعضو استيعاب لا كعضو آخر، لنقرأ التاريخ بشكل صحيح، ولنفهم ونعي جيدًا تاريخ وشخصية وأهمية مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد