شهد يوم الخميس في 14 أكتوبر (تشرين الأول)  2021 اشتباكات عنيفة انطلقت شرارتها في نقطة «الطيونة» في العاصمة اللبنانية بيروت، ثم امتدت إلى واحد من خطوط التماس ذات الشهرة التاريخية، ألا هو المنطقة الفاصلة بين منطقة الشياح ذات الغالبية الشيعية، ومنطقة عين الرمانة المسيحية، وبحسب معطيات إعلامية أدت الاشتباكات إلى وقوع ستة قتلى، ونحو 37 جريحًا من بينهم أربع حالتهم حرجة.

لن نخوض كثيرًا في خلفيات الأحداث، ولكنها تتمحور حول تداعيات انفجار المرفأ في شهر أغسطس (آب) 2020، فعلى الرغم من مرور أكثر من عام على هذه «الجريمة» الشنيعة، وهذا الحدث الاستثنائي، إلا أن القضاء اللبناني لم يستطع حتى هذه اللحظة الكشف عن ملابسات الانفجار ومسؤولية الأطراف المختلفة التي نقلت أو أهملت هذه الكميات الهائلة من «نترات الأمونيوم» منذ عام 2014.

أما الجديد الذي أعاد إشعال الأحداث على الساحة اللبنانية، هو استدعاء المحقق العدلي طارق البيطار أسماء كبيرة من الثنائي الشيعي، إضافةً إلى أسماء أخرى محسوبة على حلفاءهم، تقلدوا مناصب إبان وجود المواد المتفجرة في مرفأ بيروت، وأبرزهم وزير المالية السابق والقيادي في حركة أمل علي حسن خليل، وكان استدعاء هؤلاء إلى التحقيق أشعل موجودة من الردود، كان آخرها مسيرة شعبية لمناصري حركة أمل وحزب الله، كانت المحطة التي سبقت الاشتباكات، وأقول محطة لأكون بعيدًا خطوة عن اتهام جهة ما بأنها من أطلق الرصاصة الأولى، وهي معلومة بكل أسف لن يكشف عنها أبدًا.

شبح «بوسطة» عين الرمانة يطل من جديد

تختزل الذاكرة الشعبية اللبنانية صورة حافلة «عين الرمانة»، التي كانت واحدة من أبرز الأسباب المباشرة لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، التي أدت إلى ترسيخ النظام الطائفي المستمر حتى هذه اللحظة، وأضحت هذه «البوسطة» والمنطقة التي جرت فيها الحادثة في عام 1975 واحدةً من الرموز المكرورة لانهيار العقد الاجتماعي في لبنان، وهي حرب لم تنته، إلا مع اتفاق الطائف عام 1989، الذي استطال تطبيقه حتى سنوات لاحقة، وإنهاء الجيوب المتقاتلة حينها.

أمام رمزية المنطقة التي شهدت اشتباكات عنيفة، نقلتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية لحظة بلحظة، أصبح عودة شبح الحرب الأهلية هاجس اللحظة لدى اللبنانيين، الذين يرزحون تحت أثقال أزمة اقتصادية هي الأعنف منذ انتهاء الحرب الأهلية، بل عدتها بعض الجهات الدولية واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية منذ عشرات السنوات، وما جرته عليهم من تضخم وارتفاع نسب البطالة، وتوجه أعداد متزايدة من الشباب اللبناني إلى الهجرة.

أسئلة الثورة واستمرار الطبقة السياسية

شكلت ما أصبح يتعارف عليه لبنانيًا بـ«ثورة 17 تشرين»، محطة بالغة الأهمية في محاولة تغيير النظام السياسي الحالي، القائم على المحاصصة الطائفية، وما أنتجه هذا النظام من استزلام وفساد ومحسوبية، ولكن الثورة الشعبية لم تستطع الاستمرار نتيجة العديد من العوامل الموضوعية، وفي مقدمتها قدرة الساسة في لبنان على الإمساك بالشارع اللبناني من خلال المنطق الطائفي، فأصبح كل مظاهرة تواجه بمظاهرة أخرى مضادة، وفي مقابل الشارع الثائر هناك شارعً آخر يدافع عن الزعيم والقائد والرمز، ما جعل الحشد الشعبي المشارك في التظاهرات الحاشدة يتضاءل شيئًا فشيئًا، وتوجه معظم اللبنانيين من غير المنتمين سياسيًا إلى المعاناة الحياتية اليومية وتأمين القوت وعوائلهم، مع غرق البلاد في المزيد من المشاكل الاقتصادية.

الأسئلة الملحة التي لم تجب عنها الثورة، هي الأسئلة اليوم التي تخرج إلينا من قمقم النظام الطائفي، الذي قاد جزء كبير من رموزه وقياداته الحرب الأهلية اللبنانية، وعند انتهائها استبدلوا البزات العسكرية بالأطقم وربطات العنق، وتحولوا إلى أبرز السياسيين في لبنان، الذين استهلكوا البلاد أولًا في حرب استمرت سنوات طويلة، ثم استنزفوه ثانيًا في شبكات متقاطعة من الفساد والمحسوبية التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم، وأن الواقع العام على فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة.

مآلات الأحداث.. عواصف صغيرة أو الأتون الكبير

يظل السؤال الأكثر إلحاحًا، هل سيكون ما حدث من اشتباكات زوبعة في فنجان، خاصة مع الحكومة اللبنانية الجديدة التي تحاول أن تظهر إيجابية عالية في التعامل مع الأزمات الراهنة، أم أن متابعة سير التحقيقات في انفجار المرفأ وبقاء المحقق العدلي طارق البيطار في منصبه، ستدفع نحو المزيد من هذه الإشكاليات، خاصةً أننا أمام انقسام حادٍ جدًا، بين طرف يمثله الثنائي الشيعي يسعى بكل ما يملكه من أوراق ضغط لإقالة المحقق العدلي، وإبعاد الشبهات عن رموزه بأي شكلٍ من الأشكال.

أما الطرف الآخر الذي تمثله القوات اللبنانية فتعد استهداف البيطار اعترافًا شبه ضمني بمسؤولية هؤلاء عن جريمة المرفأ، وقد أعلن رئيسها سمير جعجع في 13 أكتوبر 2021 بأنه يرفض أي خضوع «للترهيب» من جانب حزب الله، ودعا اللبنانيين إلى الإضراب السلمي إذا حاول «الطرف الآخر» فرض إرادته بالقوة، وربما كانت مواقف جعجع السابقة هي التي دفعت جمهور الثنائي الشيعي اتهام حزبه بالوقوف خلف الأحداث في منطقتي عين الرمانة والشياح.

وفي سياق الإجابة عن السؤال الهاجسي لدى كل اللبنانيين، هل نحن قادمون على انفجار ضخم، وأن الاشتباكات في الشارع والخلافات في الحكومة ستؤدي إلى اندلاع حالة الاحتراب الداخلي مرة أخرى؟..

تُظهر القراءة المتأنية للأحداث تمسك الطرفين بمواقفهما وخاصة الثنائي الشيعي، ومن ثم تحول الصراع على هذه الملفات إلى صراع ذو طابع طائفي، أن التأزم الحالي نقطة بالغة الصعوبة، ولكنها لن تؤدي إلى حرب أهلية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ ترجح قراءة الواقع اللبناني والنماذج السابقة المشابهة إلى إمكانية استمرار نقاط التماس المتفرقة داخل العاصمة بيروت، أو في مناطق أخرى؛ ما يعني المزيد من الضغط على القوى الأمنية التي يعاني أفرادها كما معظم الشعب اللبناني من الضغوط الاقتصادية الكبيرة.

وأما عن عدم ترجيح تفجر الأوضاع بشكلٍ كبير، فلذلك عدة عوامل يمكننا العودة إليها بالتفصيل في مقال لاحق، أبرزها الواقع الاقتصادي الذي لفتنا إليه في عدد من مواضع المقال، وهشاشة الواقع الحكومي الحالي، التي من الواجب عليها معالجة إشكاليات كبيرة ومتعددة، من الاقتصاد والمديونية العامة والكهرباء والتضخم وغيرها، وأن القلاقل الأمنية ستزيد من الضغوط عليها، وآخر هذه المعطيات اقتراب الانتخابات النيابية في الأشهر الأولى من العام القادم، التي ستقام في ظل التطورات الحالية، وعدم مصلحة أي طرف من الأطراف دفع الأوضاع إلى نقطة اللاعودة، مع الأزمات والاستحقاقات الماضية جميعها.

أخيرًا اشتباكات بيروت صورة مصغرة عن هشاشة الواقع اللبناني، وعن فشل النظام الطائفي طيلة العقود الماضية في كل مفاصل الحياة العامة، وعن ولوغ الطبقة السياسية في تفجير الأوضاع عبر التصريحات وتحريك الشارع وغير ذلك، وأن لعبة الدم في لبنان، لعبة بالغة الخطورة، ومهما اجتهد الباحث والمحلل في توقع أحداثها، يمكن أن تتدحرج كرة اللهب بشكلٍ غير مسبوق، ما يعيد إلى الواجهة مصطلحات الحرب الأهلية وشعاراتها، كما رأيناها اليوم في «الطيونة» و»الشياح» و»عين الرمانة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد