فتاة الإيدز بالإسكندرية ليست مجرد حالة فردية أو ظاهرة يجب أن نمر عليها مرور الكرام، دون معرفة الأسباب. إن ما وصل إليه المجتمع المصري، وما حدث لفتاة الإسكندرية لمؤشر خطر على ما وصلنا إليه من تدني أخلاقي. ليس سببه أطفال الشوارع فقط، بل إن السبب أيضًا انتشار الفحشاء والزنا وعدم الخوف من الله. وعدم قدرة الشباب على الزواج، والإباحية في القنوات الفضائية والإنترنت؛ مما يدفعهم لممارسة الرذيلة، والاعتداء على مثل هؤلاء الفتيات. ومن المؤسف تكرر نفس المأساة مع فتاة كفر الشيخ.

وتوضح الطبيبة – عبر تدوينتها – أنها لم تجد سبيلًا سوى أن تهدئ من روع تلك الفتاة، وانفردت بها في جلسة خاصة، وروت الفتاة للطبيبة حالتها، فكشفت لها أنها تعاني من مرض في القلب يضطرها للراحة بين الحين والآخر، وهذا ما لم يرتضى به أصحاب العمل؛ فيكون مصيرها الطرد من العمل.

كما ذكرت الفتاة للطبيبة، أن البعض بدأ يستغل حاجتها للمال، بإجبارها على ارتكاب وقائع جنسية محرمة، مقابل 20 جنيهًا في المرة الواحدة، وأحيانًا يجلب لها البعض – من راغبي المتعة الحرام – أطعمة، وأحيانًا أخرى يرتكبون ذلك مقابل جلب لحوم ودجاج.

فهل انعدمت القلوب الرحيمة، وغابت عن مجتمعاتنا العربية، بحيث لا تجد فتاة طعامًا، إلا ببيع جسدها يوميًا، وهي مريضة قلب! إن ترك أطفال الشوارع بهذه الصورة ما هو إلا قنبلة موقوتة تنفجر في وجه المجتمع بأكمله؛ فهذه الفتاة التي يتم الاعتداء عليها من قبل سائقي التوك توك وبعض الشباب، أو غيرها ممن لا يجدن أهلًا، ولا مأوى، ليست حالة فردية.

فهناك الكثير من أطفال الشوارع الذين يتعرضون للانتهاك الجسدي، حتى إذا أصيبوا بالأمراض، ألقينا اللوم عليهم كاملًا.

ماذا بعد؟

أمر قاضي المعارضات بمحكمة جنح سيدى جابر، بالإسكندرية، اليوم الأربعاء، بتجديد حبس الفتاة المصابة بمرض الإيدز 15 يومًا على ذمة التحقيقات؛ بعد اتهامها بالتحريض على الفسق، كما قررت المحكمة سرعة إحضار تقرير طبى عنها من مستشفى الحميات.

 إن مثل هؤلاء يا سادة لا يحتاجون إلى الحبس، يحتاجون إلى رعاية، إلى يد حانية تربيهم قبل أن يكونوا قتلة ومجرمين، وبائعي هوي. إن مثل هؤلاء ربتهم الشوارع والأرصفة بكل قسوة، قسى عليهم المجتمع، حتى دور الايتام والملاجئ لا يجدون فيها ملاذًا لطفولتهم المهدرة والمنتهكة، بل إن بعض دور الأيتام يقومون فيها بتعذيب هؤلاء الاطفال، وفي بعض الأحيان الاعتداء عليهم فيها دون وجود رقيب؛ مما يدفعهم للهرب إلى الشوارع التي ليس لها قلب.

مجتمعنا يصنع مجرمًا صغيرًا! ليعود ويحاسبه على جرائمه، أين العدالة؟ أنجبتهم أمهاتهم، وتركنهم ليواجهوا مصيرهم: العذاب، والشقاء، والمرض، والموت أخيرًا، أنها رحلة شقاء.

لماذا لا تكفل كل أسرة قادرة يتيمًا أو فتاة؛ فتحميهم من هذا المصير! لماذا لا يكفلهم الذين لا ينجبون؟ لماذا تظل كلمة لقيط وصمة عار عليه دون ذنب منه، ويكتب حتى في حالات التبني أو الكفالة في البيت؛ مما يجعل الناس غير راغبة في الكفالة؟

ألم يكفل الرسول زيدًا، وكان مجهول النسب، وأوصي باليتيم، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا. رواه البخاري.

وأخيرًا: من الجاني ومن المجني عليه؟ إنها دائرة، ولن نخرج منها سوى برعاية هؤلاء الأطفال والرقابة على رعايتهم

إن لم يكن من أجلهم، فمن أجل حماية المجتمع من صنع مجرم صغير أو فتاة إيدز أخرى، تمشي حاملة الموت بين أضلعها، فالمهمل هو المجتمع، وهو أيضًا الخاسر الوحيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد