من أحبوا فيلم Gone Girl في 2014 (من بطولة بن أفليك والنجمة الإنجليزية الجميلة روساماند بايك) سيحبون فيلم The Girl on The Train، سيجدون نفس جرعة التشويق والإثارة المصاحبة للقصة المليئة بالأحداث المعقدة المتصاعدة، والألغاز التي لا يمكن حلها سوى قرب نهاية الفيلم.

فيلم «فتاة القطار» يتحدث عن «الخيال»، وكيف أن الخيال قد يسيطر على حياة المرء تمامًا، وقد يتحول لشيء خطير للغاية. الفيلم يحكي عن فتاة سيطر عليها خيالها، وهي «ريتشيل» الموظفة بإحدى شركات العلاقات العامة المرموقة في مدينة «نيويورك»، والتي تؤدي دورها الممثلة –الإنجليزية أيضًا- «إيميلي بلانت»، المشهورة بدورها العبقري أمام الأسطورة ميريل ستريب في فيلم The Devil Wear’s Prada.

تستقل «ريتشيل» القطار يوميًّا من منزلها الواقع في الضواحي خارج نيويورك حتى مكان عملها، تبدو شاردة وهي على متن القطار، ومشوشة، ونعلم أنها تدمن شرب الكحوليات، وتملأ «زمزميتها» بالخمر، وتجرع منها طوال اليوم بلا انقطاع، تجلس في القطار لا تفعل سوى مراقبة الخارج من النافذة متتبعة الشريط الساحلي الذي يمر عليه القطار، على يمينه المحيط، وعلى يساره منازل الضواحي المكون كل منها من دورين، ويحيط به حديقة خاصة صغيرة.

يلفت انتباهها يومًا منزل يسكنه شاب وفتاة، وهما يحتضنان بعضهما في حالة رائعة من الحب والحنان. تلتصق ريتشيل بنافذة القطار وقد بدا المشهد وكأنه مس وترًا حساسًا في قلبها، تفكر أنه كان لديها بيت مثالي مثل الذي يمتلكانه، وكان لها زوج محب، وكانت تحظى بمثل هذا الحب، لكنها أضاعت كل شيء، وأضاعت نفسها.

كل شيء يضيع

تصبح مراقبة الزوجين عادة يومية ثابتة لدى ريتشيل في رحلة ذهابها إلى العمل صباحًا، والعودة لمنزلها مساء، دائمًا تجدهما إما في شرفة منزلهما ملتصقين ببعضهما، أو يجلسان ليلاً أمام نار أوقداها ليتدفآ بها في حديقة المنزل، أو ترمقهمها فيما وراء زجاج حجرة معيشتهما وهما يتبادلان العناق. وسط دموعها وإحساسها الدائم بالحزن، تشعر ريتشيل بأحاسيس مختلطة ومتناقشة تموج في نفسها -عبرت عنها الممثلة المتمكنة إيميلي بلانت باقتدار شديد، كان يؤهلها للترشح لجائزة الأوسكار، إلا أن ذلك لم يحدث للأسف، وأنصفها لاحقًا بنو جلدتها إذ رشحت لجائزة الـ BAFTA البريطانية المرموقة- غيرة، وحسد، وشوق، وألم، وشفقة، وحنان، ومحبة.

تنقلب الأمور رأسًا على عقب عندما تشاهد ريتشيل يومًا الفتاة «ميجان» -تلعب دورها هالي بينيت- في شرفة منزلها وهي تحتضن وتقبل رجلاً آخر غير زوجها «سكوت» -لوك إيفانز، الذي يلعب دور الشرير جاستون في فيلم الجميلة والوحش المنتظر إطلاقه خلال العام الحالي-، تنهار ريتشيل وتشعر أن الفتاة تقوم بتضييع كل شيء، كان لديها زوج مخلص محب والآن هي تخونه مع آخر، وستهدم علاقتها الرائعة مع زوجها وستهدم أساس بيتها المستقر والدافئ. تصرخ ريتشيل غير مصدقة ما يحدث، كانت خيالات ريتشيل تهيئ لها أن ما يحدث لـ«ميجان» إنما يحدث لها هي، وأن حياتها هي على وشك الانهيار مرة أخرى من جديد، وأن كل شيء سيئ يدور أمامها من جديد دون أن تملك أن توقف ما يحدث.

تقرر ريتشيل النزول من القطار يومًا بقرب منزل ميجان، وتتبع الفتاة التي كانت قدر خرجت للتريض، تلحق بها ريتشيل وهي على وشك دخول أحد الأنفاق تحت جسر القطار، وتصرخ فيها بأنها خائنة وأنها ستضيع كل شيء، كانت ريتشيل في حالة سكر شديدة، وكان مظهرها يثير الرثاء بشدة، وفجأة ظهر زوجها –طليقها- «توم»، الذي يقوم بدوره الممثل الموهوب جاستين ثيروكس المشهور بأدواره السيكبواتية في أفلام مثل American Psycho وMulholland Drive، ويقوم توم بمحاولة إبعاد ريتشيل عن الدخول للنفق بطريقة عنيفة، قبل أن تغيب الأخيرة عن الوعي.

جريمة قتل

تتعقد الأمور أكثر عندما تعلم ريتشيل من وسائل الإعلام أن ميجان اختفت بعد الليلة التي لاحقتها فيها، وأن زوجها سكوت والشرطة يبحثان عنها في كل مكان. تشك ريتشيل أن الفتاة قد قامت بالهرب مع حبيبها المجهول الذي شاهدته معها من قبل في شرفة بيتها. لكن هذا الشكل لا يستمر كثيرًا عندما تعلن الشرطة عن العثور على جثة «ميجان» مقتولة في غابة قريبة لا تبعد كثيرًا عن النفق تحت شريط القطار.

ولأنها رأت أمرًا لم يره أحد آخر، فقد قررت ريتشيل الذهاب إلى بيت زوج الضحية «سكوت» لتخبره بأمر الرجل الذي شاهدته مع زوجها، ومن وصفها لذلك الشخص الغامض يخمن سكوت أن ذلك الرجل هو معالج ميجان النفسي، الدكتور «كمال» -الممثل الفنزويلي إدجار راميرز-، فتقرر ريتشيل زيارة الطبيب بحجة أنها مريضة بنوبات فقدان ذاكرة قصيرة، وأنها تحتاج مساعدته.

تكتشف الشرطة أن ميجان كانت حاملاً قبل أن تموت، وهو الأمر الذي يفاجئ به سكوت نفسه، الذي تحوم حوله الشبهات، وتحوم أيضًا حول ريتشيل التي شوهدت تلاحق ميجان ليلة اختفائها.

السيناريو المأخوذ عن كتاب الروائية «بولا هوكينز» الذي يحمل نفس الاسم، مكتوب ببراعة ويجدل الأحداث الغامضة في إطار ذي مذاق ممتع، ويبقي المتفرج في حالة تحفز حتى نهاية الفيلم، وطوال الوقت تقوم هوكينز بإلقاء مفاجآت جديدة، منها الدور الغامض لتوم زوج ريتشيل، وعلاقته الغامضة بميجان، وأيضًا اكتشاف أن ريتشيل نفسها قد تم فصلها من عملها منذ فترة، فلا نعلم لماذا تدعي الذهاب إلى العمل يوميًّا جيئة وذهابًا. والعديد من التفاصيل الأخرى الغامضة.

الفيلم يضع المشاهد أمام احتمالية وجود واقع موازٍ للواقع الذي نعيشه، واقع افتراضي مليء بالخيالات التي لا مكان لها سوى في عقل المرء نفسه، وأن تلك الخيالات قد تسيطر على الإنسان لدرجة أنه لا يستطيع تفرقة الواقع الحقيقي من الآخر الخيالي والافتراضي، فيقع ضحية هذا الازدواج، ويتصرف على هذا الأساس تصرفات عصية على التفسير. هذا بالضبط ما حدث لريشتيل، والذي يحاول الفيلم بشدة اجتذابها لنقطة اتزان تعود فيها إلى عالم الواقع، لتتحول من روح معذبة، إلى شخص يستطيع التسامح مع نفسه، ومع الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد