المخرج أحمد مجدي يؤسس لمدرسة سينمائية شبابية جديدة

فيلم «لا أحد هناك» (اسم الفيلم باللغة العربية) أو «الزرافة» (the giraffe) (اسم الفيلم باللغة الإنجليزية) لمخرجه الشاب الأستاذ أحمد مجدي، والذي عرض كعرض شرفي في مهرجان «مصر دوت بكرة للافلام» بمسرح الفلكي بالجامعة الأمريكية بالتحرير، من الأفلام التي يستطيع كل مشاهد أن يراها من الزاوية التي ينظر من خلالها إلى الفيلم شأن اللوحات الفنية المثيرة للجدل.

ويعتبر هذا الفيلم بمثابة بوابة العبور إلى دنيا أحمد مجدي السينمائية، سواء من ناحية الإخراج أو التمثيل أو الكتابة السينمائية أو الإنتاج.

فالبداية كانت إعلانًا عن المهرجان على «فيسبوك»، وكان الفيلم مدرجًا على قائمة المشاهدة في نفس يوم الإعلان على فيسبوك، وإذا بي أقرأ تعليقًا «ما حدش يدخل الفيلم ده» وذكر كلمة الزرافة، وعلق على التصوير… إلخ؛ مما حفزني أكثر للذهاب إلى الفيلم ومشاهدته لمعرفة أصل الحكاية.

فإذا بي أفاجأ بعالم سينمائي مختلف يمزج ما بين الواقع والخيال بطريقة جديدة لربما يكون أحمد مجدي مؤسسًا لها أو من أوائل المؤسسين لها، أو حتى من روادها؛ فالمهم هنا أنني وجدت نفسي أتابع الفيلم بلا ملل، بالرغم من غرائبية الموضوع، وطريقة تقديمه، والأسلوب الذي أستطيع أن أقول إنه يماثل المسرح التجريبي الذي أنا من هواة مشاهدته كل عام في مهرجانه بالقاهرة، ولكن الأمر هنا يكون بطريقة سينمائية تختلف شيئًا ما عن المسرح التجريبي الذي يفتقر إلى الخدع السينمائية بالطبع، عكس رحابة السينما في استخدامها للخدع السينمائية، كما حدث في فيلم (الزرافة)، أو (لا أحد هناك) الذي نتحدث عنه.

وبعد مشاهدتي للفيلم، وملاحظتي أنه يحمل عنوانين: أحدهما بالعربي، والآخر بالإنجليزى إلا أنه تأكد لي أن الاسمين يحملان نفس الدلاله لأحداث الفيلم، ومتعلقان بموضوعه، إلا أن المخرج وكاتب السيناريو أيضًا أحمد مجدي قد أصاب باختيار الاسم باللغة العربية (لا أحد هناك) حيث إنه لو استخدم كلمة الزرافة باللغة العربية لاعتقد المشاهد أن الفيلم يتحدث عن حياة (زرافة) من الزرافات، وما إلى ذلك، أو أنه فيلم تسجيلي عن عالم الزرافات.

فعنوان الفيلم باللغة العربية أصاب في اختيارة لأنه يعبر عن موضوع الفيلم، والفيلم تدور أحداثه حول مجموعة من الشباب والفتيات في وقت زمني محدود بين ليلة وضحاها، فقط يمرون بأحداث معينة أستطيع أن أقول مطمئنًا إنها تعبر عن حياة اللا هدف لدى هؤلاء الشباب، والذي يعاني منها قطاع من الشباب المصري، وجاءت قصة وموضوع الفيلم بطريقة عرضه الغرائبية انعكاسًا لقصصهم باختلاف أنواعها، أي أن غرائبية الفيلم جاءت انعكاسًا لقصته التي هي انعكاس لحياة هؤلاء المجموعة من الشباب.

وأعود فأقول إنني لأول مرة أشاهد فيلمًا بهذه الصورة السينمائية الجديدة، حيث الحوار المقتضب والاعتماد على الصورة السينمائية، وفهم المشاهد للفيلم من منظوره الخاص، وثقافة المشاهد التي ستختلف من مشاهد لآخر، حيث ظهر ذلك في المناقشات التي تلت الفيلم في ندوة حوار مع المخرج وصناع الفيلم، حيث رأى كل مشاهد الفيلم من زاويته الخاصه به.

والجميل في الفيلم أنك تشعر بشيء ما يجذبك لمشاهدته، ومعرفة تفاصيل الفيلم، والاستمرار فى المشاهدة دون ملل أو شعور بالضيق من متابعة الفيلم، بل بالعكس أحداث الفيلم تشد انتباهك لمواصلة المشاهدة.

اعتمد الفيلم على الوجوه الجديدة الشابه في أداء أدواره، والذين استطاعوا أن يؤدوها بتميز على حسب الورق المكتوب في السيناريو، وعبروا عن موضوع الفيلم بشكل جيد.

وأعتقد أن الموضوعات التي تناولها الفيلم باختلاف أنواعها، عبرت عن بعض القضايا التي يعاني منها المجتمع كقضية الصحافة والإجهاض والخمور والعلاقات بين الجنسين وقضية البحث عن الحقيقة التي ترمز لها الزرافة في الفيلم كلها موضوعات تعبر عن مشاكلنا بطريقة اللامعقول أو اللامعقولية إن صح التعبير، وأعتقد أنها مدرسة سينمائية يؤسس لها أحمد مجدي في هذا الفيلم.

وأوضح مجدي في النقاش أن سبب اختياره للزرافة يرجع إلى أنها رمز لجيل صامت لا يعبر عن نفسه كالزرافة التي ليس لها صوت، كما أكد أن الزرافة ليست بطلًا للفيلم، بل البطل، كما يعتبرها هي البنت التي تتعرض للإجهاض.

وأذكر هنا أن صناع الفيلم أجادوا في خدعة الزرافة التي تظهر عند المزلقان لإحدى بطلات الفيلم، حيث ظهرت الصورة السينمائية لمشهد الزرافة كما لو كانت حقيقية، ولم نلاحظ أية خدعة في هذا المشهد.

الحقيقة هنا أن الفيلم يعد صورة سينمائية جديدة معبرة عن قضايا قطاع من قطاعات الشباب المصرى بمشاكلة وهمومه، ولكن بطريقة حداثية غير نمطية أو تقليدية، وإذا كنت عزيزى القارئ من هواة هذه النوعية من الأفلام فأنصحك بمشاهدة الفيلم. وإذا لم تكن كذلك فلا بأس من التعرف على نوعية جديدة من الأفلام السينمائية التي لربما تعجبك وتصبح من هواتها.

ولقد اخترت هذا العنوان للموضوع وأقصد حياة اللاهدف، وذلك بناءً على فهمي للفيلم وما شعرت به من أن حياة هؤلاء الشباب ينقصها الهدف فقد شعرت من أحداث الفيلم بمعاناة الأبطال لافتقادهم الهدف في الحياة، وأرجو أن أكون محقًا في ذلك، فرأيي لا يفرض على المشاهد رؤيةً معينةً لأحداث الفيلم، بل هو تعبير عما وصلني بعد مشاهدة الفيلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد