تأزمة الصحية العالمية التي تسبب فيها فيروس كورونا، والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي بأنها «أخطر اختبار منذ تأسيس هذه المنظمة، وأن الوباء يشكل أيضا تهديدا كبيرا لصون السلم والأمن الدوليين». هذه الأزمة لم تواجه في محاربتها بالتضامن الدولي بل تمت مواجهتها بقرارات منفردة وسيادية خاصة بكل دولة.

وقد سارعت كل الدول التي أصابها الفيروس إلى إغلاق حدودها البرية والبحرية والجوية، بل حتى الاتحاد الأوروبي كفضاء سياسي موحد وبدون حدود بين الدول السبعة والعشرين، تحول في لحظة إلى دول لا تربطها اتفاقية ماستريخت المؤسسة للاتحاد الأوروبي، ولا اتفاقية شيتغن التي تضمن حرية تنقل الأفراد بين الدول الأطراف فيها، ولا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تعطي للدول الأعضاء في مجلس أوروبا في وقت الطوارئ العامة أن تتخذ تدابير في أضيق حدود تحتمها مقتضيات الحال، وبشرط ألا تتعارض هذه التدابير مع التزاماتها الأخرى في إطار القانون الدولي، ولا برلمان أوروبا الذي يمثل شعوب الاتحاد الأوروبي، ولا المفوضية الأوروبية التي تعتبر السلطة التنفيذية للاتحاد. فكل دولة استرجعت سيادتها التقليدية التي تتوفر عليها واحتكمت إلى دساتيرها وقوانينها لإعلان حالة الطوارئ الصحية.

واعتبر Jan Zielonka أستاذ السياسة والعلاقات الدولية بجامعة البندقية أنه بين عشية وضحاها، استعادت العواصم الوطنية السيادة بشكل فعال من الاتحاد الأوروبي دون طلب الإذن من شعبها أو من بروكسيل، وظهر أن مقولة إن أوروبا في وضع أفضل من الدولة القومية للاستجابة للتحديات العالمية التي وردت في كتاب نهاية الأمم سنة 2002 لصاحبه thierry wolton قد انكسرت مع هذا التراجع المريع للاتحاد الأوربي في التصدي لجائحة كورونا. كما أن مفهوم المفاجآت الإستراتجية الذي أصبحت الدول تدخله في مخططاتها الأمنية والدفاعية لمواجهة التهديدات والمخاطر غير المنتظرة لم تدخل في الحسبان حجم ومدى هذه الجائحة العالمية.

كما أن نهاية الحدود التي نظر لها كينيتشي أوماي أحد الشخصيات البارزة في دوائر الإدارة الأمريكية واليابانية في مرحلة التسعينات في كتابه العالم بلا حدود: القوة والإستراتيجية في الاقتصاد المترابط، قد عجزت عن الإجابة المشتركة والجماعية عن الأزمة الصحية العالمية، حيث سارعت أنجيلا ميركل قائدة الاتحاد الأوروبي- وإن كانت في البداية قد أعلنت على الحفاظ على الحدود مفتوحة- إلى إغلاق حدودها مع جيرانها، وقررت أن إمدادات ألمانيا من معدات الحماية الطبية ليست للتصدير، كما أوقفت حكومتها شحنات الأقنعة إلى النمسا والمجر وسويسرا.

وإمنويل ماكرون رئيس فرنسا من جهته، وإن كان قد أعلن في البداية أن الفيروس «ليس لديه جواز سفر»، وخال من الخصائص الوطنية، إلا أنه لم يتحمل الضغط وانضم إلى الجوقة الوطنية. وقال إن الشعب العظيم «هو الذي يقف معًا في أوقات الأزمات». ووجد اليمين الشعبوي في أوروبا الفرصة مناسبة للدفاع عن برامجه الحمائية، حيث اعتبرت القيادية في حزب البديل من أجل ألمانيا السياسية بياتريكس فون ستورتش ، بأن الفيروس «أثبت فشل فكرة العولمة الخالية من الحدود ودعت إلى أن تظل الضوابط الحدودية الجديدة على نحو دائم».

هذه الإجراءات والقرارات دفعت إلى واجهة النقاش وجود الدولة الوطنية ووظائفها وأدوارها، وإن كان المفكر المغربي عبدالالاه بلقزيز: يقول إن «مسلمة» بل «بديهية»، «نهاية الدولة الوطنية» ليست في حساب التحليل العلمي، أكثر من فرضية قابلة للأخذ والرد مثل سائر فرضيات التفكير.

فالعولمة قد حجمت إلى حد كبير من سيادة الدولة ومن سلطتها السياسية والاقتصادية والمالية، والتي تنازلت عنها لتساير متطلبات اللبيرالية التي تقوم على تراجع الدولة عن التدخل وتحولها فقط إلى ضابط يضع القوانين لتكريس الانفتاح، وأن الحاجيات تحدد حسب العرض والطلب والسوق ينتج آليات ذاتية لاشتغاله، وأن الأقطاب الاقتصادية العالمية التي تتكون من آسيا الشرقية ودول الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الشمالية قادرة على توفير ما تحتاج إليه الشعوب.

إن الرهان على سلاسل الإنتاج العالمية التي تخترق الحدود، سرعان ما أبانت عن عدم قدرتها على الاستمرار في مد الأسواق العالمية لما تحتاجه من مواد وسلع بسبب تفشى الوباء، ولتكتشف الدول الكبرى أنها لا تتوفر على الاحتياطات اللازمة لأوقات الأزمات، من التجهيزات الطبية الكافية، والكمامات، والأسرة، وأجهزة التنفس الاصطناعية وأقنعة الوجه الواقية، وأن المخزونات الإستراتجية التي تتوفر عليها لم تدخل في الحسبان الحاجيات الطبية والصحية، وأن القطاع الخاص الصحي الذي يتقاسم مع الدولة وظيفة تقديم الخدمات الاستشفائية والطبية غير قادر على مواجهة الأمراض والأوبئة التي تهدد الصحة العامة.

وقد اعتبر Jan Zielonka أن الفيروس التاجي كشف عن حجم إهمال القطاع العام بعد فترة طويلة من الحماقة الليبرالية الجديدة. و لا يجرؤ أحد اليوم في أوروبا على الادعاء بأن المستشفيات الخاصة يمكنها مكافحة الفيروس بشكل أفضل من المستشفيات العامة.

ومن هنا يعاد طرح السؤال من جديد حول وظيفة الدولة القومية والوطنية كآخر حصن تحتمي به الشعوب في مواجهة الأزمات، وأن القول بأن الدولة القومية قد أدت وظيفتها وقد آن الأوان لتغادر مسرح التاريخ، حسب تعبير thierry wolton، وأن وظيفتها تقتصر على تهييئ الظروف التي تمكن من ازدياد المستهلكين والعمال والشركات في الاقتصاد العالمي على حد قول كينيتشي أوماي، هو كلام يحتاج إلى إعادة التفكير فيه من جديد، وأن مفهوم السيادة والأمن القومي والحدود والوظيفة التدخلية للدولة والقطاع العام والخصخصة والأمن الصحي وتوطين سلاسل الإنتاج، كلها مفاهيم ستصبح على جدول أعمال الدول والحكومات وفي تشكيل الهوية السياسية والإيديولوجية للأحزاب السياسية.

وقد أكد في هذا الشأن ستيفن والت ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، إن الوباء سيقوي الدولة ويعزز القومية، وإن كان بعض المحللين وفي مقدمتهم Rachman Gideon أحد المختصين في السياسة الخارجية الأمريكية والاتحاد الأوروبي والعولمة، يعتبر أن الخطر يكمن في أن إحياء الدولة القومية سوف ينزلق إلى القومية غير المنضبطة، مما يؤدي إلى ركود في التجارة العالمية والتخلي عن التعاون الدولي. وأن أسوأ السيناريوهات انهيار الاتحاد الأوروبي وانهيار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، والتي يمكن أن تتوج بالحرب.

ولكن دروس التاريخ تعلمنا دائما، أن الدول سرعان ما تستوعب الهزات التي تتعرض لها، وتضع قواعد واختيارات بديلة لمعالجة الندوب التي تركتها تلك الهزات، وتستمر كوحدة سياسية أساسية في الحياة الاجتماعية والعلاقات الدولية، وكما يقول جوزيف ستيجليتز الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، كانت أزمة فيروس كورونا بمثابة تذكيرٍ قوي بأن المُكَوِّن السياسي والاقتصادي الأساسي ما يزال هو: الدولة القومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد