البوصلة المفقودة
لا بد من التضامن لأجل التعاون، وكما قيل: التعاون هو الاعتقاد الراسخ أنه لا أحد سيتمكن من الوصول إلى هناك، إلا إذا تمكن كل واحد من الوصول إلى هناك. من هذه الفكرة يتضح المنهج العالمي الأناني الذي سبب كل المآسي للمجتمعات.
منذ فجر التاريخ والأحوال الاجتماعية والسياسية السائدة خلال وجود التجمعات الإنسانية تتأرجح بين المآسي والاستقرار، فالناظر في صفحات التاريخ وعند كل جيل أو حضارة، سيطلع على مراحل ازدهار ومراحل كساد اقتصادي وانهيار اجتماعي وفوضى، وفي أغلب الفترات ستنظر في قصص الظلم الذي يسلط على البشر من نفس جنسه.

هناك صراعات كبرى بين إمبراطوريات ودول، وصغرى بين مجتمعات وقبائل وأعراق، وكل ذلك وإن سمي اختلافًا فإنه راجع إلى صفة موجودة في الإنسان، وهي الظلم، وما يرافقه من أسماء أخرى كالتجبر والطغيان.

الظلم مرفوض في كل الشرائع والقوانين والأعراف

لا يجادل اثنان في شناعة الظلم، فهناك تاريخ إنساني حافل في هذا المجال بالقتل والإبادة والقمع والإذلال، والمجازر التي لا حصر لها، منذ ظهور أول مستعمرة بشرية بدائية، ثم توالت أحداث التنكيل والتدمير في الأجيال المتعاقبة.

وقد أولى القرآن الكريم اهتمامًا بالغًا لهذه القضية أن اعتبرها من أخطر الأفعال البشرية التي يمكن أن تُقترف، فتحدث عن جريمة الظلم في آيات كثيرة وذمها ووعد صاحبها بخسارة الدنيا والآخرة، فقال تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ» (المائدة32). وقال النبي (ص): لن يزالَ المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا. (البخاري6862.صحيح)

خلال هذه الآية وهذا الحديث، نلاحظ النهي عن خُلق سيئ وخطير عاقبته وخيمة؛ وهو قتل النفس، وكأن صاحبه قتل الناس كلهم، لما يترتب عن هذه الجريمة من فساد عظيم، ومن تسبب في إحياء نفس أو إنقاذها أو حمايتها فهنا تتحدث الآية عن خلق عظيم بمرتبة من أحيا الناس جميعًا.

وقد أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن ننصر المظلوم، وكذلك الظالم بتخليصه من ظلمه، فقال :«انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا،فقال رجل يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال:تحجزه، أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره. (رواه أنس عن البخاري 6952. صحيح)

على غرار ذلك كان الإسلام أعظمَ قانون استهدف القضاء على آفاتٍ ومخاطرَ تهدد الحياة الكريمة للبشر، وسوَّى بينهم في حرمتهم كي لا يضام أحد، ولو من غير المسلمين، قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات) وكل الناس لآدم وآدم من تراب، والتفاضل بالخير والتقوى، وليس بالأعراق والأنساب والأموال والألوان.

إن التضامن العالمي الذي يُنادى به اليوم ما هو إلا شعار أجوف صنع غطاء لأجل تمرير مشروعات وسياسات ربحية واستعلائية للعبث باستقرار العالم.

الازدواجية في التضامن

لقد علم صنَّاع القرار في العالم حتمية إنشاء قانون عالمي لأجل التضامن، لكون الظلم أساس المخاطر والحروب التي تهدد العالم وشعوبه بالفقر والضياع، فحددت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 60/209 التضامن بوصفه إحدى القيم الأساسية والعالمية التي ينبغي أن تقوم عليها العلاقات بين الشعوب، وهكذا أنشئ صندوق التضامن العالمي وغيره من المشروعات.

إلا أنه بالرغم من ذلك وفي هذا العصر الذي يقوده الإعلام ويسعى إلى التأثير في جمهوره باسم الحرية والانفتاح والديمقراطية، والطعن عرقيًّا وطائفيًّا وسياسيًّا في مختلف الكيانات، يظهر خلل كبير في التعاطف مع المستهدفين حتى بعد أن كانت ثمرة التحريض جاهزة ومنظورة للعيان من قتل وتشريد واغتيال وحرمان وأفعال تقشعر لها الأبدان، في الوقت الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، وسقطت الكثير من الحواجز، وعم التضامن العالمي عند الشعوب.

لكن رغم ذلك تحدث مجازر وإبادات عرقية ودينية وسياسية يندى لها الجبين، ولا يتحرك الضمير العالمي ضد هذه القضية إلا قليلًا، ولن تعطى للواقعة أي أهمية، وكأنه أمر عرضي أو جانبي لا يستحق أي ردود فعل استنكارية ونضالية ضد الظلم، وليست أحداث المسلمين الروهينجا في بورما ميانمار والإيغور في الصين والشعب السوري عنا ببعيد، بل ما زال أوار نارها مشتعلًا، لكن في الوقت نفسه نرى أحداثًا فردية تتضاءل في قسوتها وشأنها وشناعتها مع تلك؛ تسبب تعاطفًا عالميًّا واسع النطاق؛ من مظاهرات حاشدة، وتنديد واسع، وأعمال شغب.

وكان لهذه الأحداث صدى كبيرًا لوقت طويل مثل قضية مقتل المواطن الأمريكي الأسود، وكذلك قصة الطفل «إيلان»الكردي الذي غرق نتيجة للظلم في سوريا، والتي ما زالت حاضرة في الأذهان، وحكايته جزء صغير من قصة أبشع بكثير، وهي إبادة شعب وتجويعه وتهجيره ليموت في عرض البحر أو بردًا وعطشًا وقهرًا،

لكن قضية الطفل الغريق سمع صداها ومئات الغرقى الآخرين كادت قضيتهم أن تدفن، وعُدت شيئًا عاديًّا ومتآلفًّا، ثم تتخذ قضية قتل المواطن الأمريكي فلويد عنصرية وتعسفًّا من الشرطة التي تعاملت معه بازدراء ووحشية منعطفًا آخر، حرك ضمير العالم بأسره، وسرى صداه في كل ربوع العالم، واستنكر الملايين من شتى الأعراق هذا السلوك، وانتفضوا وتفطرت قلوبهم ألمًا وحسرة.

التضامن مع فلويد وخاشقجي مقابل إبادة الروهينجا وتشريد سوريا بأكملها، هل يستويان؟

لا نعاتب على هذا الاستنكار وهذه الردود التي أعقبت اغتيال خاشقجي وفلويد ولا نرفضهما إطلاقًا، فهي ما زالت تبشر على كل حال بيقظة الضمير العالمي ووجدان الشعوب التي ترفض التعسف والظلم جملة وتفصيلًا، لكن يظهر لدينا سؤال محير عما إذا كان هذا التضامن عادلًا مقارنة مع كل الأحداث الأخرى الأشد بشاعة وفتكًا واستهتارًا بحرمات الناس وكرامتهم.

فلماذا يا ترى يصيح العالم تنديدًا بقتل رجل ويبيت ساكنًا لإبادة مجتمع؟
هل ضاعت البوصلة وأصبح التعاطف والتضامن إشهارًا تروجه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ومنتجًا منه ما يستحق الترويج ومنه سلعة رخيصة؟
أو أن الضمير العالمي الإنساني النبيل الذي يرفض العنصرية العرقية والدينية والسياسية والفكرية أصبح يتلاعب فيه الإعلام والمخابرات ورجال السياسة بناء على مصالح محدودة وتعامل بازدواجية؟

هذه أسئلة جوابها يكمن في أياد ما زالت تعمل بخلفية استعمارية قطبية، لا تعرف معنى العدل والتضامن والسلام، ولكن تقوم على مفهوم قانون الغاب، والسيادة والريادة والرقص على الأشلاء، حتى تمكنت من تخريب حس التضامن لدى الشعوب الغنية المزدهرة، بعد تدمير الشعوب الفقيرة وتشريدها.

يقول الشاعر الفلسطيني أنطون الشوملي:
كأن الله ألقى في يديهم…  حقوق الناس فيهم يقسمونا
فراحوا في مماكله تجارا… يبيعون الشعوب ويشترونا
وما المستعمرون سوى ذئاب… كحملان يراها الساذجونا
لقد ملأوا بلاد الله ظلما…  وسموا ظلمهم عدلًا ركينا
وبالقانون زائفه استباحوا…  حمى القوم الرضاة الآمنينا
 
قد يلقي أي شعب أو فرد في العالم باللائمة على الأنظمة الحاكمة التي وضعت يدها على كل شيء، كالإعلام المؤثر في الجمهور مثلًا، ولكن يأبى التضامن إلا مع الخواص، يقول تولستوي الجميع يفكر في تغيير العالم ولكن لا أحد يفكر في تغيير نفسه.
إن سفك دم رجل أسود مدان بشدة، وإغراق طفل مدان بشدة أيضًا، والشيء نفسه لسجن بريء وتعذيبه والتنكيل بالأبرياء كيفما كانت القضية.

لكن إبادة مجتمعات بأكملها بسبب عرقها أو دينها وسحق كرامتهم وإحراقهم وهتك عرضهم لمدان أعظم وأكثر إحقاقًا للحق وتقييمًا لمرتبة الجريمة، وينبغي أن يثور العالم أنظمة وشعوبًا بلا هوادة، لأن هذا يستحق أعلى درجات التضامن والتنديد والتظاهر والتعاطف حفاظًا على السلم العالمي، وصيانة للموروث الإنساني في النبل والأخلاق والتضامن وكل أصول الخير.

بين الإنسانية الصرفة والازدواجية

إن معضلة التضامن المستشرية في العالم اليوم كانت من مخلفات صراع حضاري شهده العالم منذ بداية ظهور القطبين؛ المعسكر الشرقي السوفيتي والمعسكر الغربي بقيادة أمريكا، فقد عمل كلاهما على استقطاب المناصرين والأتباع واعتبار جهتهم قوة تقود إلى الخلاص وتحرير الناس من شر قوة أخرى مستبدة تريد تخريب كل شيء، وهكذا تمادى مسلسل الشيطنة فنشبت الحروب بالوكالة، وتعمقت الجراح، وعاث القطبان فسادًا مريعًا في الأرض، وأصبحت الإيديولوجية الإمبريالية والشيوعية الاشتراكية ركيزتين لصراع آخر يضاف إلى العنصرية والدين والثقافة، ويزيد من وتيرة هذه القضايا.

إن جوهر التضامن الصرف يجب أن يقف على مسافة واحدة بين كل المظلومين، بغض النظر عن جنسهم وانتمائهم، فيكون لإنسانيتهم التي يتشاركها الجميع ولا يرفض أحد السلف الواحد للبشر في الكون بناء على الدين، فالناس لآدم وآدم من تراب، وهو ما تقرر في الديانات السماوية قبل الإسلام كلها، والعلم الذي يثبت السلف الواحد المشترك للإنسان من خلال الحمض النووي، والتاريخ، والحدس الإنساني الذي يشير بطبيعة الحال إلى الأب البشري الواحد.

الحوار الحضاري وإمكانية ترسيخ القيم الصحيحة للتضامن العالمي

نسمع كثيرًا عن الحوار بين الأديان، وحوار الحضارات، والسلم العالمي، والأمم المتحدة، والقانون الدولي، ومجلس الأمن، والمحكمة الجنائية… وهلم جرا، ويبدو من خلال هذه الأسماء أن العالم فعلًا له مؤسسات متحدة تُعنى بفض النزاعات والقضاء على العنصرية والإثنية، وإلزام الدول باحترام شعوبها وأقلياتها، وتثقيف مواطنيها لتأسيس جيل يحترم كل الناس، وإن خالفهم وانتقد مشربهم.

ولكن الحقيقة المُرة أن ذلك لا يعدو أن يكون محاولات من الأنظمة الدولية والجهات الأكثر فاعلية سياسيًّا واقتصاديًّا لخلق مشروعات فارغة لا تؤدي دورًا فاعلًا واقعيًّا باستثناء التكتم على السياسات القائمة على تدمير الشعوب، والاستئثار بثروات العالم، وفرض سيادة مطلقة لأقطاب كبرى على حساب الدول الضعيفة، وكان من مخلفات هذه السياسات أن سادت الفوضى والحروب الأهلية، وزادت وتيرة التمييز العنصري والراديكالية؛ مما فرض موجات هائلة من المقهورين واللاجئين وشعوب كبرى ترزح تحت الظلم لعشرات السنين.

إن الحوارات والأسس التي بني عليها التضامن في العالم والتي فرضتها الدول الكبرى خصوصًا أمريكا وأروبا أو المحور الإمبريالي عمومًا لا تمت إلى الواقع بصلة، وهي شعارات زائفة، ظاهرة للعيان مثل الترويج للولايات المتحدة بأنها ناصرة لحرية الشعوب، وهي التي عملت خلال مؤامرات عدة لنسف أحلامهم.

إن ردود الأفعال الدولية حيال مجازر ميانمار والإيغور في الصين، والهند، ومصر، وسوريا، واليمن وغيرهم كانت بلا فائدة تذكر، وعبارات جوفاء من محرضين لبسوا ثياب الحملان الوديعة، وقد نجحوا في المؤامرات، كما نجحوا في إسكات الشارع العالمي وتجميد ضميره، والشعوب في العالم بقيت الأداة الوحيدة المؤثرة في أنظمتها، لولا أنها لم تعاني من ناحية التضامن، الذي أصبح إشهارًا ترويجيًّا سياسيًّا وليس إنسانيًّا خالصًّا.

ليس هناك أداة مثلى اليوم للتغيير غير المُواطن الصالح المثقف، إذا عرف مكنون قوته، يقول تولستوي: «ليس هناك إنسان ضعيف، بل هناك إنسان يجهل موطن قوته.

إن إمكانية إعادة الشعور والإحساس السليمين عند الشعوب خصوصًا الغربية، منوط بإعادة الجمعيات والمؤسسات المستقلة، وتطوير نظام التضامن عبر هيكلته من جديد ليكون نداء شاملًا للتغيير والضغط على الحكومات، والحصول على مقاعد إعلامية مسموعة الصوت، وتطوير الأدوات من خلال جهود تقوم بها جهات إنسانية خالصة وغير ربحية أو سياسية.

وما زال الدور التي تؤديه هيئات حقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة والتضامن قاصرًا في قضية الترويج للتضامن العالمي الدائم مع كل المضطهدين. وكما يقول «تولستوي»أقوى المحاربين هما الوقت والصبر ولا بد لليل أن ينجلي، فإن غدًا لناظره قريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعاطف

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد