إن الأنسام لا تدوم للأبد. إنها ترحل بعدما ترطب وجودك، لكنك -وهذا قاس- لا تتحمل بعد رحيلها فكرة الحياة من دونها. أحمد خالد توفيق

حقًّا لم نكن نتخيل هول تلك النازلة التي أحلت بنا عند سماع خبر رحيلك، يا من كنت لنا أبا وملهمًا، هذه الجملة الاعتراضية المكونة من ستة أحرف -هذا قاس- تعبر باختزال شديد عن حجم الألم الذي استوطن صدورنا برحيل نسمة الأنسام، عاجزة هي الكلمات عن وصف رحيلك يا من أجدت النقش بها على شغاف قلوبنا، تائهة مشتتة تبحث عن فقيدها، ذابلة هي كورد هجره ساقيه، أنا لا أرثيك بل أرثي أحلام جيل شكلت وعيه، وكنت جزءًا من وجدانه وحصنًا منيعًا لآماله وأحلامه، بماذا تفيد عبارات الرثاء، ماذا تفيد الاستعارات والكنايات إن لم تكن بقلمك، وهل مثلك يرثى بأسلوب غير ذاك الذي اعتدناه منك؟! لا والله لن أبخس قدرك ببعض العبارات المستهلكة، لن أرثيك بكليشيهات القوالب الجاهزة.

بالأمس القريب رحل عن عالمنا البائس كما تعلمون الأب الروحي للشباب، رحل في صمت وهدوء كما ألفناه دومًا وديعًا مسالمًا، لكن ردة الفعل على خبر رحيله لم تكن بهذا الهدوء، لقد اتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بالسواد، وضجت بالنشيج والبكاء على رحيله، وتحولت إلى دفتر عزاء كبير، في الوقت الذي انتظره آخرون ليهللوا ويرقصوا طربًا لنتيجة انتخابات رئاسية هزلية، لكن حاشاهم يفعلون وقد آمن الشباب بقيم هذا الرجل ومبادئه الذي اعتدناه ضميرًا متحركًا لا يداهن أحدًا، لذلك كان من الطبيعي أن نرى كل هذا السخط عليه من المتنطعين حاملي دفوف النفاق وصاجات التملق، هذا الهجوم الشرس على العراب يذكرني بمقالة من أجمل ما قرأت للراحل.

المقالة تتحدث عن قصة بلد العميان للكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز (1866– 1946) وملخصها أن مجموعة من المهاجرين من بيرو فروا من طغيان الإسبان لجبال الأنديز، في بدايات القرن الماضي، ثم حدثت انهيارات صخرية على الجبال؛ فعزلت هؤلاء القوم في وادٍ غامض، و انتشر بينهم نوع غامض من التهاب العيون أصابهم جميعًا بالعمى، لم يزر أحد هؤلاء القوم، ولم يغادروا واديهم قط، لكنهم ورثوا أبناءهم العمي جيلًا بعد جيل، حتى صار الأمر طبيعيًّا وما عداه درب من دروب الخيال، ونتيجة لعوامل التكيف مع الزمن اختفى تجويف العين مع تعاقب الأجيال، هنا يظهر نيونز، وهو مستكشف وخبير في تسلق الجبال تسلق جبال الأنديز مع مجموعة من البريطانيين، وفي الليل انزلقت قدمه فسقط من أعلى في هذا الوادي، ثم التقى بهؤلاء العميان، راحوا يتحسسون وجهه ويغرسون أصابعهم في عينه، بدت لهم عضوًا غريبًا، كما بدت أحاديثه عن الرؤية أكثر غرابة، لذا عدوه مجذوبًا وأدنى منهم منزلة، وبما أنه الشخص الوحيد الذي يرى، وقعت عينه على أكثر الفتيات جمالًا وهام بها حبًّا وهي بادلته الحب بدورها؛ لأنها كانت مكروهة من العميان؛ لحدة ملامحها وصوتها العالي، واشترط الأب لإتمام هذا الزواج أن يتخلى الشاب عن التجويف الغريب أعلى وجهه، الذي جعله مختلفًا عنهم، كان من المحتوم إزالة هذا العضو الغريب ليسترد الفتى عقله، ملأ الفتى الدنيا صراخًا، لن يضحي بعينيه بأي ثمن. بعد قليل ارتمت الفتاة على صدره وبكت وهمست: ليتك تقبل.
لكن بعد أن قبل الشاب بإزالة عينيه خرج ورأى جمال الكون، كيف يفقد هذا كله من أجل فتاة، كيف، ولماذا أقنعوه أن البصر شيء لا قيمة له، برغم أن هذا خطأ، اتجه إلى حاجز الجبال وقرر التسلق، نزفت كفاه وتمزقت ثيابه، لكنه كان يبتسم، رفع عينيه وراح يرمق النجوم من حوله، وما لبس أن خرج من الوادي ونجا بعينيه.

هذا ملخص القصة التي سردها العراب بأسلوبه الآسر في مقاله بتفصيل أكثر، لكن هذه القصة كانت مجرد إسقاط ليعلمنا درسًا من دروسه الكثيرة، التي اعتدنا عليها، وهنا أقتبس بعض ما قاله تعقيبًا على القصة:

«هناك لحظة تدرك فيها أن الخطأ يسود وينتشر من حولك، وفي لحظة كهذه يصير القابض على المنطق والصواب كالقابض على الجمر. تشعر بالغربة والاختلاف، ولربما يعتبرونك مجنونًا أو على شيء من العته، الأدهى أن لديك فضائل، لكنهم لا يرون فيها أي قيمة.

بعد قليل تأتي اللحظة التي تقرر فيها أن تتخلى عن عينيك لتصير كالآخرين، هذه اللحظة آتية ولا ريب فلا تشك فيها. لكن لو كنت محظوظـًا لرأيت الفجر وقتها وعرفت فداحة ما ستفقده».

هذه الفقرة تلخص أعظم ما تعلمناه منه، وتجيب أيضًا عن كل من تساءل، لماذا كل هذا الحب؟!

رأى كثير منا في الأيام القليلة الماضية كثيرًا من التطاول على الراحل، بسبب مواقفه وآرائه عن أحداث مرت بها البلاد في السنوات الماضية، فتركوا كل إنتاجه الأدبي وهاجموا شخصه؛ لمجرد أنه اتخذ موقفًا مختلفًا عنهم، مثلهم في ذلك كمثل العميان الذين ظنوا أن الشاب البصير مجذوبًا.

ما لفت انتباهي أيضًا هو تناول إعلامي شهير معروف بولائه للسلطة خبر وفاته، فتساءل بتعجب شديد، عن السبب الذي دفع الشباب للتعلق بهذا الرجل، داعيًا أساتذة الطب النفسي إلى دراسة الحالة العصية على الفهم، أظن أن الفارق الوحيد بين والد الفتاة التي تتحدث عنها القصة وهذا الإعلامي، أن الأعمى يطلب من الشاب إزالة عينيه بحسن نية، أما هذا الإعلامي فيتساءل بخبث شديد؛ لأنه يتظاهر بالدهشة، وهو يعلم جيدًا أن الراحل من هؤلاء القلة القليلة التي تمسكت بالمبادئ في زمن النفاق والتملق فيه هما السلع الأكثر رواجًا، أحمد خالد توفيق الذي يستحق وصف الشاعر «صاحب أنبل وش في الزمن الغش»، كان من الطبيعي أن يقابل حب الشباب له بكل هذا التعجب والاستنكار؛ لأنه لم يبحث يومًا عن شهرة أو منصب، بل كرس حياته لهدف أسمى وأنبل من كل هذا الرغد الزائل، هدف نجح في الوصول إليه، والدليل أنه أراد ما تمنى، وخط أحباؤه على قبره «جعل الشباب يقرأون»، وشيعه قراؤه في جنازة واقعية مهيبة، وجنازة افتراضية على الإنترنت لم نشهد لها مثيلًا، نجح هو وكل ما يملكه قلم حر، وضمير واعٍ، وحب صادق، بينما فشل الآخرون بكل ما يملكون من وسائل الترهيب والترغيب.

فالسلام على من خرج إلى النهار وتركنا هنا نتصارع على البرتقالة الفاسدة بينما الكون يردد لحنه الأعظم فلا نصغي.

السلام لروحك الملائكية -يا أبانا وملهمنا- بقدر نبلك وفيض أخلاقك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد