لعل في قصة العجل الذهبي التي ذكرها الله في القرآن الكريم، في معرض حديثه عن سرعة إغواء بني إسرائيل، وتعنّتهم بعدما رأوا الآيات التي تبرهن على وجود إله واحد قد أنجاهم من فرعون الذي جعل نفسه إلهًا يعبد من دون الله، إلهًا سياسيًّا متحكمًا في رقاب الناس، آية لهذا القوم ابتداء، ولنا من بعدهم انتهاء.

فبمجرّد أنهم وجدوا عجلًا جسدًا له خوار، نسوا ما أنعم الله عليهم، حين نجّاهم من فرعون وسوء عمله واتخذوه آلهة ثانية، قد تكون آلهة وجودية فهم يبحثون عن الجانب الروحي دائمًا، إلا أنهم وفي كل مرة ينتكسون إلى المادة، والمهم عند هؤلاء القوم أن يعبدوا شيئًا يستطيعون رؤيته، حتى لو أنه لا يرجع إليهم قولًا ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا.

وهذا سر عبودية بني إسرائيل، فالله أراد أن يخرجهم من طغيان سياسي، مثل في شخصية فرعون، وطغيان اقتصادي مثّل في هامان، وطغيان اجتماعي ثالث مثّل في استحياء النساء والأطفال، وأن ينتقلوا من ضيق العبودية المادية إلى سعة الثورة الروحية، التي تجعل الفرد يتحرر من كل قيود المادة والجمود إلى آفاق الاختلاف والحرية.

لو تدبرنا واقع الأمة الإسلامية، لوجدنا النقاط المشتركة العديدة بيننا وبين بني إسرائيل في ذلك الزمان؛ كيف لا؟ فنحن العرب، منذ القرن التاسع عشر، آثرنا على أنفسنا أن نجعل صنم العجل الذهبي مسلّطًا على رقابنا. أعني بصنم العجل الذهبي هنا، كل فكر وكل إيديولوجيا* نتخذها سبيلًا ومنهجًا للتحرر والانعتاق من الأزمات المختلفة، إلا أنها تقودنا في غالب الأوقات، بل لنقل في كل الأوقات، إلى عبودية جديدة لفكر يدّعي أنه المنقذ والمخلّص، وفي النهاية نكتشف أنه قد قيّدنا أكثر وورّطنا في أزمات جديدة.

ولأضرب أمثلة على ذلك، فقد قامت الحركة القومية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، على الإيمان الراسخ بالعروبة عقيدة ناتجة عن تراث مشترك من اللغة والثقافة والتاريخ، إضافة إلى مبدأ حرية الأديان. وفي هذا السياق يعرّف الدكتور عزمي بشارة القومية العربية بأنها: «القومية العربية ليست رابطة دم ولا عرق، بل هي جماعة متحلية بأدوات اللغة ووسائل الاتصال الحديثة تسعى إلى أن تصبح أمة ذات سيادة»، وقد مرت بأطوار تاريخية عديدة، كغيرها من الإيديولوجيات المتواترة، إلا أنها، وبعد الثورة العربية الكبرى، ووعد بلفور الذي بمقتضاه زرع الكيان الصهيوني داخل كيان الأمة العربية، وفشل تجربة الوحدة السورية المصرية سنة 1967، والتناحرات بين التيارات القومية خاصة بين البعثيين والناصريين. كل هذه العوامل وغيرها جعلت الحركات القومية تتراجع، وفي المقابل صعدت المشاريع القطرية العاجزة أصلًا عن سد حاجيات الوطن.«1»

في منتصف القرن العشرين، ظهرت الاشتراكية العربية التي قد وصفها بعضهم بأنها منتصف الطريق بين الرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية، في إشارة إلى الجمع بين النظامين. وقد مثلت هذه الإيديولوجيا تيارًا سياسيًا مهمًّا تاريخيًّا، وقد ظهرت عدة تجارب سياسية لأنظمة عربية قائمة على الفكر الاشتراكي، كونه الوحيد القادر على تجاوز الصعوبات المادية التي خلّفها الاستعمار في جميع البلدان العربية، وخلق فرص عمل أكثر تجنّبا لظاهرة البطالة، التي كانت منتشرة في هذه البلدان خاصة. ومع فشل هذه التجارب تباعًا فقدت التجربة الاشتراكية شعاعها على المستوى العربي، ولم تعد قوة سياسية قادرة على مواجهة الأزمات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعترض البلدان العربية في النصف الأخير من القرن الماضي.«2»

ومع انبثاق الربيع العربي، شهدت المعادلة السياسية صعود الأحزاب الإسلامية التي تطبّق في برامجها ما يعرف بالإسلام السياسي. وقد كان حسن البنّا زعيم حركة الإخوان المسلمين يؤكد على هذا المنهج تقريبًا في كل مؤلفاته التي تحدثت عن الفكر الإسلامي السياسي حيث قال: «إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة». وقد أحدثت العديد من التنظيمات السياسية القائمة على نهج حسن البنا في عدة دول عربية، داعية بذلك إلى أن هذا الفكر هو المخلّص والمنقذ من الأزمات السياسية التي تعصف بالأمة. ولكن الأمر سار عكس ما سوّقه أصحاب هذا الفكر، فالملاحظ، بعد ست سنوات من انطلاق شرارة الربيع العربي أن الربيع المنتظر، أصبح خريفًا عاصفًا؛ فالدمار الذي لحق بالبلدان العربية لم يشهده التاريخ من قبل؛ قتل وذبح وتشريد للأطفال والنساء. كل هذا يرتكب – للأسف- باسم الإسلام، والأمرّ من ذلك أن النخبة السياسية ما زالت تدّعي أن فكرها ونهجها هو المنقذ الأوحد من المصائب المتلاطمة.

إن الاختلاف ظاهرة طبيعية في المجتمع الإنساني. يمكن بفضلها أن تكون سببًا في خلق ثورة فكرية وروحية تؤدي بالضرورة إلى ثورة اقتصادية ونهضة ثقافية وإشعاع عالمي. إلا أن التشبث بالرأي الواحد وعدم قبول الرأي المخالف من شأنه أن يدمّر كل مقومات العيش الكريم داخل الكيان السياسي، وذلك هو مقصد قصة العجل الذهبي في قصة موسى – عليه السلام- وبني إسرائيل.

إن الحالة التي وصلنا إليها الآن، من تشرذم وأزمات على جميع المستويات سياسية، اقتصادية واجتماعية، تجعلنا نفكر في ماهية الحل الذي يمكننا من خلاله استئناف دورنا الحضاري والرجوع إلى التاريخ لإعادة كتابة مجد يحفظ للأمة عزّتها. إن الواقع يفرض علينا إذن كسر صنم العجل، والنظر في أفق أرحب وأوسع، والتنازل في بعض الأوقات حفاظـًا على المصلحة العليا للدولة والنظر بوعي إلى كل المناهج الفكرية تحقيقًا للاختلاف، وأن نسعى إلى ضمان الحرية الروحية والسياسية للفرد داخل كيان الدولة.

* الإيديولوجيا بما هي علم الأفكار حسب المفكر عبد الله العروي، والتي من خلالها ظهر التقسيم العلماني والإسلامي والاشتراكي وغيرهم الكثير من الأفكار التي تعمل على بناء الدولة. هذه الأفكار إن لم تحسن استغلالها تحقيقًا للتنوع والاختلاف داخل الدولة، مما يحدث ثورة روحية وفكرية؛ فإنها تصبح عبئًا ثقيلًا على الدولة في حد ذاتها وتقودها إلى طغيان معرفي وتجمّد فكري، تكون بمثابة صنم العجل الذهبي الذي يقودنا بالضرورة إلى الطغيان المادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك