كل حركة سياسية لها وقت «خفوت»، و الأقوى هو من يستطيع إعادة التوهج بصورة سريعة و في اللحظة المناسبة، و من يعرف وقت الانسحاب المناسب؛ حتى لا تتحول أدوات القوة إلى لا شيء، كورونا كانت فرصتنا الصحيحة كمحتجين للانسحاب.

كنت قد دعوت الأصدقاء -ممن لهم الرأي في ذلك- لإنهاء الاعتصام في مارس الماضي، هي اللحظة المناسبة بعد أن وصل عدد المحتجين إلى اقل ما يمكن منذ مطلع أكتوبر.

وكذلك من الناحية الوطنية: كان يمكن أن يكون هذا الفعل «للمصلحة الوطنية العليا» ليعاد بعد انتهاء الأزمة تلك، تشكيل وجهٍ آخر للاحتجاج، مع وقتٍ كافٍ لنقاش الفضاء العام بعيدًا عن سخافات «إسقاط النظام»؛ فالنظام الديموقراطي فيه شوائب ممكنة التصفية.

و لعلنا لا ننسى الهجمة منقطعة النظير، من قبل جهات سياسية معارضة للمحتجين، ومتهمة بقتل المحتجين، لعدم التزامها بحظر التجوال الصحي، وقواعد التباعد الاجتماعي؛ خصوصًا في العاشر من الشهر الجاري أو ما يعرف بمهلة الكوت.

و خطأ آخر وقع فيه المحتجون؛ فرفض المشاركة في حكومة الكاظمي ذنب لا يغتفر.

فبعد ترشيح الدكتور كاظم السهلاني لوزارة العمل، بدأت حملة جديدة لتشويه سمعته؛ حملة يقودها محتجون ضد محتجٍ منهم، أنتجت في نهاية الأمر تنحية السهلاني عن حقيبة العمل، حقيبة كانت ستشكل نقلةً كبيرةً، وقد تكون أكبر نجاحٍ سياسي لثورة تشرين بعد استبدال الحكومة.

لكن ما الفائدة من الحديث مرةً أخرى عن نفس الموضوع؟

تذكِرة و مدخل:

بعد تشكيل الحكومة الجديدة بطريقة جديدة، لم يسبق لها منذ عام ٢٠٠٣م -ذكرت ذلك في وقت سابق، ووضعته في عدد من النقاط- كان أصدقائي المعتصمون أمام مفترق طرق، و اختار معظمهم الطريق الخطأ في معاداة الحكومة الجديدة في تصرف سياسي غريب، فنحن مفلسون من أدوات الضغط، وفقدنا الزخم الحقيقي لأكتوبر، وما تلاه حتى حادثة المطار.

الشيء الصحيح لفعله الآن، هو تقديم شروط للانسحاب، وجدولة العودة في حال عدم تحقيقها؛ جدولة تعتمد على توقيت انتهاء الجائحة.

وبالتأكيد فتلك الشروط لها محددات؛ أهمها إمكانية التحقيق خلال مدة زمنية قصيرة، فالجائحة قاتلة، واستمرار الجلوس في الساحات، بلا تأثير سياسي، وقاتل أيضًا لأوراق المحتجين.

فلا يمكن معادة حكومة لم تكمل أسبوعها الأول، ولم تعقد سوى جلستين لمجلس الوزراء.

و في الوقت ذاته قامت حكومة الكاظمي بخطوة واضحة وجدية لتحقيق العدالة لقتلة المحتجين؛ فقد قامت فجر الإثنين المنصرم بمداهمة، واعتقال حماية مقر مليشيا «ثأر الله»، وإيداعهم السجن على خلفية قتلهم لمحتجَين اثنين ليلَ الأحد.

و أعتقد أن هناك بعض القرارات التي يجب أن تقوم بها الحكومة لإرضاء المحتجين، والمعتصمين، وإقناعهم بالعودة إلى منازلهم، أهمها تنفيذ ما وعدت به الحكومة من إطلاق سراح المحتجين المعتقلين لديها، وتشكيل اللجنة التحقيقية، وربما منع سفر بعض المسئولين السابقين لحين انتهاء التحقيق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي.

وكذلك تنفيذ الأمر الديواني ٢٧٣ لسنة ٢٠١٩ القاضي بإخراج مقرات الحشد الشعبي والجيش العراقي خارج المدن؛ خصوصًا بعد قتل المئات من المحتجين الغاضبين من قبل أفراد متمركزين داخل هذه المقرات.

و لربما استبدال بعض المحافظين، والقادة الأمنيين في بغداد، والبصرة والناصرية، قد يكون له الأثر البالغ في نفوس المحتجين.

قد تكون الفرصة الذهبية قد ولّت، لكن هذه فرصة فضية جيدة، و البرونزية سيئة حتى في الماراثون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد