• الآن وبعد مضي أربع سنوات على قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير، ما تزال تلك الفجوة موجودة، الفجوة بين طريقة تفكير الثوار وأهداف الثورة وشعاراتها من جهة، وبين طريقة تفكير المواطن البسيط وأهدافه وتفاصيل حياته من جهة أخرى.

    فتلك الفجوة، وغياب الخطط وآليات تطبيق الأهداف والشعارات، وضعف الجانب المعرفي، وعدم إدراك عمق المشكلة هي أكبر التحديات التي واجهت وتواجه الثوار حتى الآن.

    في مقطع فيديو انتشر مؤخرًا قد تم توقيف مواطن من قِبل ضابط شرطة وعلى الرغم من أن الضابط هو المخطئ إلا أنه قام بإخراج “الكلبش” وقام بتقييد المواطن في حزام سيارته، لا يرغب هذا المواطن في انهيار جهاز الشرطة، فالمقابل في وعيه هو الفوضى وانتشار البلطجة. (الظلم كضريبة لتواجد الشرطة مستقرة في كامل هيبتها). وكما قال باسم سمرة في أحد الأفلام: “ضرب الحكومة مش حرام ولا عيب”.

     

    في فيلم (خلي الدماغ صاحي) كانت سعادة جارة أم باتعة بالغة وهي تنادي عليها (يامو باتعة هيسفلتوا الشارع) وزادت سعادة الجارة عندما قاموا بتكسير “السفلتة” من أجل التليفونات والغاز والصرف الصحي (ملحوظة: في نهاية الفيلم يظهر الأسفلت بعد تكسيره ولم تدخل التليفونات ولا الغاز ولا الصرف الصحي).

     

    لا يدرك المواطن البسيط أن الاهتمام بالمرافق من أبسط حقوقه ( مياه شرب نظيفة – طرق ممهدة – تعليم – صحة – فرص عمل – الحد الأدنى) لكنه يرى مشروع “سفلتة” الطريق، أو قرار رفع المعاشات، أو إدخال الصرف الصحي حدثًا جللاً يستدعي شكر الدولة، والتسبيح بحمدها حتى ترضى.

     

    قد ينحاز المواطن البسيط للثورة عندما يصل الفساد والظلم إلى ذروته، وتصبح ظروف المعيشة أكبر من طاقة تحمله ودخله، فيتعاطف مع الثورة آملاً في واقع أفضل. (يتحرك بالعاطفة عندما يشتد عليه الظلم ويؤيد الثورة). مع أول هزيمة للثورة أمام قوة أكبر حتى لو كانت مستبدة ظالمة، لا يملك هذا المواطن سوى الانسحاق أمامها، والعودة مرة أخرى للرضا بالظلم، فمجرد العيش والعيش فقط تحت أي ظروف هو الهدف الأول، والثورة حدث عارض.

     

    (تحدث هزيمة الثورة في عدة أشكال، مثلاً: فقر الثورة للحلول الواقعية للمشاكل، وعدم امتلاكها لخطط عملية لتطبيق الشعارات المثالية أو الاقتراب منها حتى).

    بعد بحث طويل وجدنا أحد المواطنين البسطاء يملك من العقلانية ما يكفي لأن تُقيم عليه الحُجة وتهدم كافة أسبابه لتقبُّل الظلم والفساد، فسأل في نهاية الحوار (والحل إيه؟). نحن لا نملك الحلول للتعامل مع الوضع، لا نملك سوى الشعارات المثالية والأهداف النبيلة، لكن طرق الحل لم نفكر فيها من قبل، حتى الانهيار الصوري للنظام أو لرأس النظام تحديدًا تم صدفة بدون تخطيط ولا تفكير في سؤال “ماذا بعد السقوط؟”.

    أقصى ما يمكن أن نصل إليه من درجة وعي عند المواطن البسيط هي أن نعترف سويًّا أن الفساد قد انتشر وامتلأ به النظام عن آخره، والظلم قد طال الجميع وغاب العدل ووجب إسقاط النظام، لكن ماذا بعد إسقاطه؟

    إن لم يكن كل فأغلب من يهتف (يسقط يسقط حكم العسكر) لا يدرك عمق جمهورية الضباط في الدولة على عدة مستويات (اقتصادي – تنفيذي – اجتماعي – تشريعي – قضائي…). جمهورية الضباط يمكنها إدارة مرافق الدولة كاملة لو تم تنفيذ إضراب جزئي غدًا، تدير جمهورية الضباط أكثر من 50% من المصانع المملوكة للدولة والشركات القابضة، المخابرات وأمن الدولة، المحافظين ورؤساء الأحياء، ملفات الطاقة والاتصالات وأراضي الدولة، سوق الإنشاءات، المؤسسة العسكرية في وعي المواطن البسيط، القضاء العسكري، سيطرة المؤسسة العسكرية على رجال الأعمال والسياسة والإعلام.

    (وضع “مبارك/ طنطاوي” مقبول طالما المعادلة “عسكري/عسكري” فقط).

    (جمهورية الضباط هي صمام أمان الدولة العميقة والطبقة الحاكمة).

    نفرض أن (معجزة) ما حدثت وانهار النظام وانسحبت جمهورية الضباط أمام ضغط من شريحة حرجة تكونت ووجدت الوسيلة لإحداث شلل في النظام، كيف سيتم التوافق؟ التوافق فشل عندما كان القتل في ميدان واحد تحت شعار واحد، فكيف يتم بعد أن تم القتل في ميادين مختلفة لأهداف مختلفة؟

    اكتملت المعجزة وتم تشكيل (مجلس رئاسي مدني) ورضي النظام بشروط الثورة كاملة، ومن خلفها ظهير شعبي مؤيد وقوي وتمت فترة انتقالية قصيرة وضع فيها دستور معبر عن أهداف الثورة، وانتُخب رئيس مدني مرة أخرى.

    الرئيس المدني المنتخب وفقًا لنظام ديمقراطي مدني سيُهزم أمام أبسط اختبار، وهو إعادة هيكلة أجهزة الدولة التنفيذية، والحد من نفوذ جمهورية الضباط، ووضع قوانين جديدة للقضاء والسلك الدبلوماسي، فتحدي الهيكلة نفسه صعب، أما الأصعب فهو ملء الفراغ الناتج عن الهيكلة؛ فالمجتمع في حالة فقر شديد للكوادر، وثقة المواطن البسيط في المدنيين كأصحاب حلول قادرين على إدارة الدولة تكاد تكون معدومة. وبنظرة واقعية فمن حيث المعرفة والممارسة نحن أنصاف كوادر غير قادرين على ملء الفراغ، وإن تم ملء هذا الفراغ فستواجه وحش المرحلة الأخيرة (حل مشاكل البلد) تلك المشاكل التي عجز أمامها الكوادر من الطبقة الحاكمة أصحاب الخبرة والممارسة فما بالك بأنصافهم؟ (الولاء والتوريث هي مبادئ التعيين والترقية في النظام).

     

    *تم تحييد باقي العوامل الأخرى مثل الإعلام والعدالة الانتقالية ورجال الأعمال وغيرها، ذلك للتركيز على الجزء الأهم هنا وهو مؤسسات الدولة.

     

    وأخيرًا ..

    مشاكل البلد أكبر من مجموع الشعارات والتظاهرات والمسيرات وأعمق من الثورة بحسب مفهومها في وعي الثوار الحاليين باختلاف انتماءاتهم، وما سبق تقريره ليس من باب التعجيز، ولكن من باب أن معرفة الدواء تبدأ بتحديد الداء.

    – الخبز قبل الحرية. – المواطن البسيط يؤيد علاوة 15% ورغيف خبز و”سفلتة” الطريق أكثر مما يؤيد الحرية والعدالة الاجتماعية، فالجماهير غير واعية وغير عقلانية. – ثورة بدون ظهير سياسي يملك حلولاً وطرقًا لتفكيك النظام، وإعادة هيكلته، والتخلص من مواطن الفساد فيه لا يعول عليها، فسرعان ما ستفقد ظهيرها الشعبي وتنهزم.

     

    – في الهندسة الإنشائية يتم إحلال التربة بتربة أقوى، فلن يرضى بك المواطن البسيط ما لم تكن أقوى، والقوة هنا في القدرة على سحق المنافس (تمامًا) وملء الفراغ الناتج عنه، أو سحقه (جزئيًّا) مع تحقيق إنجازات تُبقي على الظهير الشعبي خلفك. – سواء كان نضالنا من أجل أنفسنا وهذا المواطن لا يستحق ما نبذله من تضحيات، أو كان النضال من أجل المواطن البسيط المُغيب والمغلوب على أمره ففي الحالتين هو طرف في المعادلة لا يمكن إهماله أو تحييده.

     

    – “العوام هم قوَّة المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، يغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويهينهم فيثنون على رفعته، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريمًا، وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيمًا، ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة”. عبد الرحمن الكواكبي – رحمه الله- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد