أمريكا تاريخ من تصدير الازمات

ما زال ذكراها يحدث في النفس جلبة، فقد أسالت كثيرًا من الحبر على صفحات كانت بيضاء، كما أسالت كثيرًا من الدماء، كانت المحرك الحقيقي لأكثر أحداث التاريخ البشري دموية، وما يدفعنا للحديث عنها من جديد في تلك الأيام هو ظلالها التي تضافرت جميعًا في واقعنا المعاصر، والذي يمهد لحدوث أشد كوابيس خبراء الاقتصاد قتامة، فمنذ أعوام يتحدث الجميع عن ركود اقتصادي قد يطل برأسه علينا عام 2020، غير أن الوضع الراهن قد يحيله لكساد عالمي لم تشهده البشرية منذ ما يقارب القرن

دور الحروب في صناعة الأزمات والنهوض

دأب المؤرخون الاقتصاديون دومًا حين الحديث عن الكساد الكبير، على تأريخ الحدث ابتداء من يوم 24 أكتوبر عام 1929، أو ما يعرف بالخميس الأسود، غير أنه من المفيد العودة أعوامًا للوراء؛ للوقوف على الأسباب الحقيقية التي ساقتنا لأحداث ذلك اليوم، تحديدًا إلى عام 1870، حين حققت ألمانيا بقيادة أوتوفون بسمارك انتصارًا عظيمًا في الحرب البروسية الفرنسية، نجح من خلاله أول مستشار ألماني في توحيد الإمبراطورية الألمانية. أخذت الدولة الوليدة في الظهور سريعًا قوةً مهيمنة على القارة، وهو ما أثر بالطبع في الهيمنة البريطانية التي كانت شبه مطلقة منذ القضاء على إمبراطور فرنسا نابليون.

شرعت ألمانيا الفتية في بناء قوة اقتصادية وتجارية عملاقة، والاستفادة من الثورة الصناعية وجني ثمار إدخال الآلة في العملية الإنتاجية، من حيث تسريع وزيادة عملية الإنتاج، وتقليل التكلفة، وهو ما أجبر الإمبراطورية على البحث عن المزيد من المواد الخام والأسواق الجديدة لتصريف فوائض الإنتاج، وهو ما أشعل أيضًا حربًا تجارية وتنافسًا محمومًا مع القوى التقليدية فرنسا وإنجلترا، والتي وجدت نفسها رغم سابق عدائها مجبرة على التحالف للوقوف في وجه المارد الصناعي الجديد، اندلعت العديد من الصراعات تجلت إحدى صورها في صراعاتهم على المضائق المائية للوصول لمراكز المواد الخام والأسواق الاستهلاكية.

تبلورت أيضًا في تشكل تحالفات قوية داخل القارة حين نجحت ألمانيا في كسب كل من النمسا والمجر إلى صفها بالإضافة لسابق تحالفها مع الإمبراطورية العثمانية فيما تشكل تحالف الدول الكارهة للصعود الألماني، والراغب في تقسيم السيطرة على البسفور وانتزاعها من رجل أوروبا المريض وتقسيم أملاكه، بل استقطاع أجزاء من أراضيه، من إنجلترا وفرنسا والإمبراطورية الروسية، ووجدت كل تلك النزاعات شرارة تفجرها في حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند على يد طالب صربي يدعى غافريلو برينسيب في 28 يونيو (حزيران) 1914، أثناء زيارة الأول لمدينة سراييفو.

الرابح الحقيقي

وبعيدًا عن النتائج العسكرية لحرب الأعوام الأربع، فقد خلفت الحرب فريقين، خاسر وآخر رابح، غير أن المفارقة تكمن في أن الفريق الأول ضم بين أعضائه كل من شارك في رحى تلك الحرب، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت بقيادة الرئيس ويلسون في اتباع مذهب مونرو، والبقاء على الحياد حتى أبريل (نيسان) من عام 1917 حين ضحت أمريكا بـ123 مواطنًا من شعبها، أرسلتهم على متن إحدى السفن البريطانية «لوسيتينيا» في رحلة سياحية من نيويورك لمدينة ليفربول، ولتمر – عمدًا – بمناطق وجود الغواصات الألمانية، فتستهدفها الأخيرة وتغرقها، لتجد الأولى المبرر أمام الكونجرس لحشد كامل قواها للمشاركة في الحرب بعد ثلاثة أعوام من اندلاعها، ومن ثم اقتسام الغنائم، بل الاستحواذ عليها جميعًا.

خلفت الحرب أوروبا مستدانة للولايات المتحدة الأمريكية بمليارات الدولارات، أوروبا محطمة وجائعة بدون مصانع أو حتى قوى عاملة قادرة على الإنتاج بعد مقتل قرابة 9 مليون شاب، وإصابة وفقدان عدة ملايين. غير أن الدولة الفتية على الجانب الآخر من الأطلسي خرجت بقاعدة صناعية عملاقة، وقطاع مالي قوي استطاع إقراض الدول المتحاربة بفوائد مركبة أثقلت كاهلهم وأنعشت جيوبه، خلفت تلك الحرب أمريكا منتجة استطاعت استغلال الموارد الطبيعية، ليس فقط للدول التي كان يتنازع عليها في الأساس المتحاربون، بل حتى موارد الدول الأوروبية المدمرة من جراء الحرب، وجعلت منها سوقًا مفتوحًا أمام الإنتاج الأمريكي الضخم. وعلى مدار أحد عشر عامًا متتالية، شهدت الأسواق الأمريكية توسعات اقتصادية كبيرة، حتى مع حدوث استقرار في الدول الأوربية وحتى في الداخل الألماني « تكونت جمهورية فايمار».

مع تأسيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عام 1913 استمر في دعم الاقتصاد وبالنمو الصناعي عبر ضخ مئات الملايين من الأموال الرخيصة لتأسيس المصانع، غير أن نهضة الاقتصاد الصناعي ترافقت مع نمو الاقتصاد المالي، وهو ما أسس لأزمة 1929. طوال أحد عشر عامًا استطاعت الولايات المتحدة فتح السوقين الأوروبي والعالمي على مصراعيهما لمنتجاتها المصنعة وفائضها الزراعي الضخم، عبر الحصول على ذهب الدول المدينة، ثم مبادلة البضائع بمواد خام أو قروض مضاعفة، وهو ما زاد من معاناة الدول الأوروبية التي كانت ما تزال تعاني من نتائج الحرب.

 يكفي القول إنه في الولايات المتحدة تأسس 22.800 مصنع جديد خلال الأربع سنوات الأخيرة التي سبقت الكساد العظيم مستغلة القروض اليسيرة ومنخفضة الفائدة، وإقدام البنوك الأمريكية باستثمار مدخرات العائلات في سوق الأسهم التي تشهد ارتفاعات كبرى، بخاصة في آخر سبع سنوات قبل اندلاع الأزمة، وهو الأمر ذاته الذي أدى إلى توجه أغلب رؤوس الأموال الأوروبية للاستثمار في سوق وول ستريت للأسهم، مما خلق جوًّا من المضاربة المستمرة، يكفي أن نعرف أن سعر سهم شركة الراديو عام 1921 كان 1.5 دولار وصل إلى 570 دولارًا بحلول أبريل من عام 1929، يمكننا الحديث عن متوسط ارتفاع بمقدار 218% للأسهم في آخر سبع سنوات قبل الأزمة.

شرارة الانهيار الحتمي

اشتعلت الشرارة الأولى للأزمة العالمية في مارس (آذار) من عام 1929، حين أقدمت الشرطة البريطانية على إلقاء القبض على كلارنس هاتري، رجل الاقتصاد والأعمال البريطاني؛ لإقدامه وعدد من شركائه على شراء شركة يونايتد ستيل بقروض ناتجه من ضمانات زائفة، وفي سوق يخلو من السيولة الكافية لامتصاص الصدمات بعد نزوح المستثمرين نحو قبلة وول ستريت، انهارت بورصة لندن، وهو ما أحدث صدى على الشاطئ الآخر من الأطلسي، غير أن إدارة الرئيس هوفر حاولت التدخل وتجنب حدث مشابه فأقدمت على رفع الفائدة لمنع التوسع في الاستدانة وعمليات المضاربة، ولكن بضغط من البنوك، التي ضخت 25 مليون دولار في سوق الأسهم لطمأنة المستثمرين، كان مقدار رفع سعر الفائدة طفيفًا قرابة 1% فقط، وهو ما سمح للسوق باستمرار دوره التوسعي لسبعة أشهر لاحقة.

وفي تصريح صادم تحدث رئيس البنك المركزي البريطاني فيليب سنودن عن سذاجة مستثمري ومضاربي سوق نيويورك للأسهم، محذرًا إياهم من أن الأسهم لن تستمر في الارتفاع إلى ما لا نهاية، وأن انفجار الفقاعة والسقوط بات حتميًّا، وهو التصريح الذي كان له بالغ الأثر على حائزي الأسهم وكأنما أفاقوا من سبات عميق ليجدوا أنفسهم أمام أسعار غير واقعيه للأسهم لا تعكس قيمة الأصول خصوصًا مع بداية الأزمات الاقتصادية في أوروبا التي كانت تعاني اقتصاديًّا، وقلصت من مشترياتها من المصانع الأمريكية، وتخلفت حكوماتها عن الوفاء بالتزاماتها المالية للبنوك الأمريكية.

 مع الخلل العميق في ميزان العرض والطلب نتيجة تراكم أطنان المنتجات وعدم وجود أسواق لتصريفها دب الرعب في نفوس المستثمرين، خاصة مع تراجع القوة الشرائية حتى في الداخل الأمريكي، وأخذ مؤشر داو جونز الصناعي في التراجع عن مستواه القياسي عند 381 نقطة.

بحلول يوم الخميس 24 أكتوبر (تشرين الأول) خسر سوق الأسهم الأمريكي 10% من قيمته، وصولًا إلى 30 مليار دولار خلال أسبوع، «ومن الجدير بالقول إن 30 مليار دولار في ذلك الوقت كانت عشرة أمثال الميزانية الاتحادية، ويتجاوز جميع النفقات الأمريكية في الحرب العالمية الأولى»، إذ إنه خلال تعاملات يوم 29 أكتوبر الثلاثاء الأسود، فقد المؤشر الصناعي 25% من قيمته، حين طُرح 12.9 مليون سهم للبيع دون أن تجد من يشتريها، وخلال أسبوعين عمق خسائره لنحو 45%، وهو ما أدى لإعلان 1350 بنكًا أمريكيًّا الإفلاس، وصل عددهم إلى 11 ألف بنك خلال الأربع سنوات التالية. بحلول 8 يوليو (تموز) 1932 فقدت البورصة الأمريكية نحو 89% من قيمتها، ولم تنجح في الوصول لمستوياتها الطبيعية إلا قرب نهاية حرب عالمية أخرى، وتحديدًا عام 1944، غير أن مؤشر داو جونز احتاج لعشرت الأعوام حتى بعد تلك الحرب ليصل ليتجاوز حاجز 381 نقطة في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1954.

في الجزء القادم سنستعرض سويًّا العوامل التي أدت لتحول تلك الأزمة الاقتصادية من ركود اقتصادي لكساد عظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد