بينما كنت أطالع سريعا نتيجة إحدى مسابقات الأولمبياد، لمحت في المركز الثاني على شاشة العرض الإلكترونية علم إنجلترا وبجواره كتب اسم «بريطانيا العظمى» وحينها تذكرت تصريح الرئيس بأن مصرنا ما هي إلا «شبه دولة»، أحسست بمرارة المقارنة بين «دولة عظمى» و«شبه دولة »، ومما زاد الغصة في حلقي معلومة اطلعت عليها منذ أشهر مفادها أن مصر أقرضت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى ما قيمته الآن 29 مليار دولار, أما الآن فمصر تلهث وراء صندوق النقد الدولي ليقرضها 12 مليار دولار، وبالطبع ستتنازل الدولة عن كثير من سيادتها الوطنية على اقتصاد مصرنا، فصندوق النقد الدولي لا يقرض إلا إذا ضمن تنفيذ إملاءاته كاملة، وأولها كان رفع الدعم على المحروقات ومشتقات البترول، وهذا ما تم بالفعل وبحلول عام 2019 سيصبح سعر الطاقة في مصر مماثلا للسعر العالمي ولا عزاء للفقراء، ثم كان ثاني إملاءاته البدء في خفض قيمة الجنيه، وهذا ما تم أيضا بالفعل وخفض البنك المركزي قيمة الجنيه دون دراسة وافية ودون البحث عن حلول سديدة، فتسبب في زيادة حدة أزمة الدولار الحالية، ولم يكتف صندوق النقد الدولي برفع الدعم وتخفيض سعر الجنيه وإنما يمارس الضغوط الآن لتعويم الجنيه (تعويم الجنيه يعني عدم تحديد سعر رسمي للدولار وإنما ترك سعره للعرض والطلب في السوق، وبالطبع هذا سيؤدي إلى ارتفاع جنوني في سعر الدولار وغلاء فاحش تعاني منه الطبقة الوسطى والفقيرة، بينما تحيا الطبقة الغنية في جزيرة منعزلة عما يعانيه باقي الشعب) وبالفعل هناك مؤشرات قوية تفيد بموافقة الحكومة على تعويم الجنيه خلال شهرين من الآن، الدولار الآن قاربت قيمته الثلاث عشرة جنيهات في السوق السوداء، وقد يرتفع خلال أشهر قليلة ليتجاوز حد الست عشرة جنيهات، ببساطة شديدة اقتصادنا منهار لأن مصر لم تكن «نور عين» الحكومة ولا الرئاسة ولم تصبح «أم الدنيا» بل أصبحت عالة على إخوانها العرب تستجدي منهم مليارات الدولارات حتى لا تعلن إفلاسها.

لنرجع قليلا إلى الوراء، فمنذ عامين وعقب تولي السيسي رئاسة الجمهورية خاطب الشعب المصري مبشرا إياه بأنه «لن يصدق ما ستصبح عليه مصر بعد عامين» ومر العامان! ويا للمرارة، كلنا فهمنا الآن ما عناه الرئيس، فبالفعل لم نكن نتخيل أن تصبح مصر «شبه دولة» ترضخ لإملاءات صندوق النقد الدولي وتستجدي أشقاءها العرب من أجل المعونة، بالفعل لم نكن نتخيل أن ينهار الجنيه أمام الدولار، لم نكن نتخيل أن يسجن جنينه ويكرم عبد العاطي لأن الأول أماط اللثام عن الفساد والثان اكتشف طريقة تحويل فيرس سي إلى كفتة، لم نكن نتخيل أن يأتينا برلمان معاق يمثل أمن الدولة بدلا من أن يمثل شعب الدولة.

رجعت بي الأفكار ثانية إلى «مصر شبة الدولة» و«بريطانيا العظمى» وتساءلت متى كان مصر دولة عظمى؟ وعدت سريعا إلى تاريخ مصر الحديث – الذي دائما ما صور لنا أنه سلسلة من الخيانة والفشل حتى أتت ثورة 52 المجيدة فأعادت الحقوق لأصحابها وحررت الوطن والمواطن من نير الاستعباد – فوجدت مفاجآت صادمة تتعلق بـ«مصر العظمى»، ترى ما هي تلك المفاجآت؟ وكيف شوه تاريخنا بعنف؟ هذا ما نتعرض له في المقال القادم بإذن الله، دمتم في عافية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد