لا زالت تلك الأنغام تتسلل إلى أذني بين الفينة والأخرى، كيف لا وهي ما ربيت عليها، وترعرعت بين شجونها، ولا زالت أمي إلى يومنا تدندن ببعضها فتارة فيروز وتارة أبو عرب وتارة أخرى أبو جهاد. ويخالج خلدي أحيانًا ذكريات معلمي في المدرسة الابتدائية وهو يحدثنا عن أطفال الحجارة بحماسة ويسترسل في وصفهم، فترسمهم مخيلتي الصغيرة أبطالًا ولم يكن يسعدني أكثر من أن نجلس قبل أن يرن الجرس نستمع إلى أحاديثه وقصصه عن فلسطين وعن أطفالها، عن بطولاتهم، عن مآسيهم وعن آهاتهم.

إلى ذلكم الحين كان معلمنا يمجد شخص ياسر عرفات (رحمه الله)، ويرى في لجنة المفاوضات سبيلًا لتحرير فلسطين، وهنا كان حاله كحال بقية العرب المنهزمين، قد طلقوا الجهاد وأذعنوا لواقع الهزيمة، وأتذكر وأنا صغير أن عديد التساؤلات كانت تتبدى لي: ترى لم أستاذي يمجد رمي الحجارة على اليهود ولكنه يؤمن أن تحرير فلسطين سيأتي بالمفاوضات؟ ولماذا لا يستعمل الفلسطينيون الأسلحة التي لديهم إلا في تشييع الجنازات؟… وغيرها الكثير والكثير من التساؤلات التي لم يسعها خلدي الغض الطري حينها.

وكبرت لأجد الإجابات عن تساؤلاتي، كبرت لكي أرى أطفال الحجارة قد تحولوا إلى صناع قنابل وصواريخ. لكي أرى النصر يولد من أرض غزة العزة فتم تحريرها وتطهيرها من دنس اليهود، لا شك أن ذلك أرسى في ذهني تساؤلًا أكبر وحيرة أعمق: ترى ما الذي تغير؟ ما هي المعطيات الجديدة؟ وأكاد أجزم أن غيري الكثير والكثير من العرب والمسلمين ممن طرحوا هذا التساؤل، كيف لا ونحن الذين ربينا على أمجاد غابرة، وعلى أن القدس وفلسطين لن تعود إلى آخر الزمان، وأن قوة بني صهيون لا تقهر، باختصار لقد ربينا على الانهزام والانبطاح، ورسخ فينا الشجب وانتظار المفاوضات واستجداء الأمم المتحدة مع كل مجزرة جديدة.

إن فلسفة حماس وعقيدتها هي ومن سار على نهجها من فصائل المقاومة، قد ولدت من رحم الإباء والذود والتضحية والإصرار، وتشربت قيمًا إسلامية سمحاء، ورفعت شعار المصحف والبندقية، فكانت منيعة على اليهود، وأوغلت فيهم الهزيمة، وأوقعت في قلوبهم الرعب، ومثلت بذلك شمس فجر جديد يحمل معه أمل العز لهذه الأمة، أمل الحرية للفلسطينيين، وغيرت بثباتها وصمودها موازين القوى. هي بذلك لم تفتح فقط العصر الجديد من المقاومة، بل حملت معه أيضًا أسباب النصر والتمكين لكل متسائل، وكشفت وفضحت كل متنازل متخاذل.

ومن المجاهدين المجددين في حماس من عرف طريق النصر وخبره، فلزمه واصطبر عليه حتى أثمر نصرًا مظفرًا، وكان الدرس للعرب المنبطحين، أن الوهم يسكن عقولكم، والوهن يعشش في قلوبكم، فمتى ما شئتم العودة إلى عزكم ومجدكم فالطريق بائن صريح ولا تشوبه شائبة ونتائجه مضمونة بوعد من فوق سبع سماوات، أما الدرس الثاني فقد كان للعدو الصهيوني أن هذه الأمة وإن نامت فلا بد أن تستفيق، ولا بد أن يعود عزها وأن تحقق نبوءة نبيها بتحرير مسراه، وقد بات ذلك قريبًا بعز عزيز أو بذل ذليل.

لكن درس حركة المقاومة الإسلامية -حماس- للعالم كان أبلغ، فقد صنعت لها تأييدًا عالميًّا متناميًا، وقبولًا شعبيًّا كبيرًا سواء في فلسطين أو خارجها في الدول العربية وحتى الأجنبية، ونصبت نفسها في برلمانات أوروبية كحركة تحررية لا تختلف عن غيرها، تطالب بحقوق شعبها، تدافع عن أرضها المغتصبة، وتنتفض بوجه جلادها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد