اليوم يسجل الشعب الفلسطيني أهدافه الحرة أمام العدو الغاشم، هو البطل وقائد الميدان لا أحزاب تحكم، ولا قوة تمنع الأسد من الفرار، كَسَرَ الصمت وغلف الضعف وأحرقه بنيران الثورة، اليوم انتفض الجميع، وأكد أن الحق لا يمكن التنازل عنه، وأن الخذلان يمكن تخطيه بقوة الإرادة.

اليوم الرابع عشر من مايو (أيار) قبل يوم واحد من الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية، خرج الفلسطينيون وأعلنوا أن قوة الحق أسمى قوة، الآن قد توحد الشعب في الميدان، ورفع راية واحدة وأغلق عينيه عن الحزبية، نحن شعب واحد، وأصحاب حق وقضية وطنية عادلة واحدة. في الوقت الذي تستمر احتفالات نقل السفارة الأمريكية إلى القدس لتأكيد الاعتراف الأمريكي بأن القدس عاصمة لإسرائيل وبصبغة شرعية.

اليوم يخرج الشعب الفلسطيني خالي السلاح، حاملًا فقط الإرادة والعزيمة القوية؛ إيمانًا منه أن لا بد للحق أن ينتصر، يخرج بكل قواه ليواجه كل سياسات القهر والإبعاد والحصار، يواجه أعتى قوة في العالم غير خائف؛ بل تجرد من كل هواجسه، حاملًا راية الشهادة في جعبته.

الغضب الفلسطيني الآن قادر على تحريك كل عواصف المؤامرة؛ لذلك فإن الفرح الإسرائيلي بنقل السفارة لن يدوم طويلًا، ولن يهنأ براحة في ظل اشتعال الجماهير الفلسطينية التي أعلنت التمرد على كل قواها، ليس لحماس ولا لغيرها القوة على إيقاف الميدان، والعرض الذي قدم لها أمس وقامت برفضه لأنها متأكدة بأن ليس لها الحق في اتخاذ قرار يخص الشعب؛ لأنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في هذه المسيرة، وهو وحده من له الحق في تقرير المصير، هذا الحق الذي اعترفت به المنظومة الدولية بأكملها، ولكنها لا تشرعنه للشعب الفلسطيني.

رُغم ذلك يواجه الاحتلال الإسرائيلي مشكلةً، وهي ليس متى الرد، وإنما كيف سيكون الرد. السيناريوهات جميعها مفتوحة أمام الاحتلال، في حال أثارت الجماهير الفلسطينية حفيظة الجيش من الممكن أن تلجأ لأقصى من إطلاق النار على المتظاهرين، هي مترددة في سيناريو استخدام قوة أعنف على الحدود، مما يجعل المجتمع الدولي يثور عليها؛ لأنها خالفت القانون الدولي الخاص بحق التظاهر السلمي، ولكن الاحتلال لا يؤمن مكره، خاصةً وأن قوة عالمية تدعمه، مما يجعل هذا السيناريو في مقدمة الحلول المطروحة.

السيناريو الآخر المطروح هو إعلان الحرب داخل القطاع، وخاصةً بعد الاستعداد الذي أبدته إسرائيل وذلك بحشد قواتها على الحدود وأماكن التقاطع، وخاصةً وأنها تعتقد بأن حماس هي من تسير الجموع وتبدي استعداداتها في حالة تصاعدت الأوضاع وتدهورت لحرب حتمية، معتقدة بأن ما تعانيه حماس من ظروف حرجة في قطاع غزة على صعيد الأوضاع الاقتصادية والأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع حافز لها على الدخول في حرب للتخلص من أزمتها.

السيناريو الأخطر الذي تهابه قوات الاحتلال، هو في حالة تمكنت الجموع الفلسطينية من تخطي الحاجز الحدودي إلى داخل المناطق المحتلة، وتمكنها من إحكام الطوق على مجموعة من الجنود، وتصبح إسرائيل في شتات آخر، وهو إعادة جنودها المخطوفين، وهو ما لا تأمله إسرائيل.

رغبة إسرائيل في إبقاء أوضاع نقل السفارة بعيدًا عن التوتر لن تتحقق؛ فخروج الفلسطينيين ومنذ ساعات الصباح الأولى وتمكنهم من تدمير بعض من السياج الحدودي الفاصل؛ سيجعلها قلقة من تدهور الأوضاع في المنطقة الجنوبية، ولا تتمكن من الحصول على الطمأنينة اللازمة في اليوم الذي تنتظره منذ الأزل.

في الواقع الهبة الجماهيرية الغزية في شكلها الحالي هي أمر جديد يواجه الاحتلال، وخاصةً أن خياراتها نحو القطاع محدودة، علمًا بأن حشد اليوم إنما هو تفعيل لحشد أضخم وأكبر غدًا الثلاثاء، وبالتالي فالمشكلة ليست مشكلة غاز ومواد غذائية وحصار مفروض يريد الشعب التخلص منه؛ بل تفشت لإعادة حق قد انتزع منهم بشرعية دولية، وليس هناك خيار للفلسطينيين سوى الاستمرار في ما قد بدؤوه؛ أملًا إما في إعادة الحق وإما في الشهادة، وكلاهما خير.

في الوقت ذاته تحاول بعض الشخصيات الإسرائيلية أن تسوق للمجتمع الإسرائيلي بأن المسيرة مصيرها الفشل في محاولة لتخفيف حدة الضغط على الحكومة؛ فقال يغئال كرمون: «طالما لا ينجح الفلسطينيون في اجتياز تغير تاريخي وأيديولوجي، والتخلي عن عنصر حق العودة في هويتهم الوطنية وفي كفاحهم، فليس لهم أي احتمال لأن يحققوا أي هدف وطني».

ما أبداه الفلسطينيون اليوم هو خير دليل على أن صاحب الحق لم ينس، وما تبديه أمريكا اليوم من تعاون مع الاحتلال هو تعبير عن انهيار كل منظومة السلام والشعارات الدولية المنددة به، فشعب أعزل يواجه برصاص حي، عن أي أمم متحدة نتحدث، وعن أي قوة دولية حامية للسلام، تسقط جميع الأقنعة اليوم، لا عرب ثائر ولا سلام دائم، وصاحب الحق فقط هو المناضل.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد