ليست البداية الكاملة.. لكنها بداية المرحلة

شهد مطلع العام الماضي وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم الأمريكي، وتوليه قيادة البيت الأبيض، إذ كان من أولى قرارته التي أصدرها الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ضاربًا عرض الحائط بكل الأصوات التي حذرته من مغبة هذا القرار، متْبِعًا قراره بالمباشرة بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس في مايو (أيار) العام الجاري، مع الاعتراف الصريح بالقدس عاصمة لإسرائيل.

هذا كله يأتي ضمن مخطط الإدارة الأمريكية مع بعض الزعامات العربية للقضاء على حق العودة واللاجئين، من خلال ما أسموه بصفقة القرن التي تقضي بإقامة مدينة جديدة على أراضٍ من سيناء، تتنازل عنها مصر مقابل حصول الأخيرة على أرض جنوب غرب النقب بمنطقة وادي قيراط، وبعض الامتيازات الأخرى.

تحصل تلك المدينة الجديدة التي هي نتاج الصفقة على ميناء بحري جديد، ومطار ومياه إقليمية بطول 7 أميال فقط، وإمكانية الحق في الوصول إلى حقول غاز إذا كان هناك.

طبعًا كل هذه الصفقة ومجرياتها تتم بتخطيط أمريكي إسرائيلي وبعض الدول العربية، لكن تلك المجموعة غفلت عن ردة الفعل الفلسطيني على وقائع تلك الخطة، خاصةً في ظل الحصار القائم والمفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 12 عامًا، بالإضافة إلى مجموعة العقوبات المفروضة على أهالي القطاع من قبل عباس.

لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومعاكس له في الاتجاه

منذ أن بدأ الحديث عن كواليس صفقة القرن، والبدء فعليًّا بخطواتٍ عملية، تَجهَّزَ الفلسطينيون في قطاع غزة لإدارة تلك المرحلة، مستخدمين بذلك تكتيكًا مغايرًا لما سبق من مراحل نضاله مع العدو الصهيوني، منذ عام 1948.

كان الحديث عن نقل وجهة الفلسطينيين ناحية سيناء، فكان الرد الفلسطيني بأن أعيننا مصوبة ناحية أراضينا المحتلة شرقًا وشمالًا، ولا نية لدينا للتنقل خلاف تلك الوجهات.

وبذلك كانت فعاليات مسيرة العودة الكبرى التي حملت في طياتها أهدافًا كثيرة من ضمنها إحباط صفقة القرن، وكسر الحصار، ورفع العقوبات المفروضة من قبل عباس.

عملت مسيرات العودة على جذب الرأي العام العالمي، وضم صوته إلى جانب صوت القضية من خلال الطابع السلمي الذي احتوته منذ الجمعة الأولى للفعاليات، والتي بلغ عددها 29 جمعة حتى الآن.

بالإضافة إلى التخطيط المنظم، وتوزيع العمل، وإنشاء وحدات وفرق العمل التي تساهم مساهمة كبيرة في سلمية التظاهرات وفي بقاء الفعالية في إطارها السلمي، منها على سبيل المثال: وحدة الكوشوك التي تهدف إلى توفير الكوشوك غطاءً يحمي المتظاهرين من قناصة جيش الاحتلال.

وحدة قص السلك الزائل: التي يقع على عاتقها القيام بقص السلك الزائل باستخدام أساليب بدائية.

وحدة الطائرات الورقية: التي شكلت إزعاجًا كبيرًا لجيش الاحتلال، كونها عملت على إحراق المئات من الدونمات الزراعية، وتهدف إلى إحداث بلبلة وصراع لدى الاحتلال.

وحدة مكافحة قنابل الغاز: التي ابتدعت طرقًا من أجل التخفيف من الغاز الذي تلقيه قوات الاحتلال تجاه الشباب المتظاهر.

وحدة السواتر: التي تساهم في إقامة سواتر ترابية من أجل حماية الشباب الثائر من قناصة الاحتلال ورصاصه المتفجر وقنابل مدفعياته.

وكذلك وحدة الإرباك الليلي التي شكلت إرباكًا فعليًّا لقوات الاحتلال، وتهدف هذه الوحدة إلى إزعاج الجنود ليلًا، وإثارة قلقهم، وإرباكهم، من أجل ثني المتآمرين عن مؤامراتهم.

وشهدت تلك الوحدات تضامنًا شعبيًّا كبيرًا شارك فيه الشباب والفتيات في قطاع غزة على حد سواء.

شكّل كون الشباب عاطلًا عن العمل ويقضي 24 ساعة من يومه بلا عمل، عنصرًا مساعدًا في إبقاء فتيل المسيرات مشتعلًا حتى اللحظة، فقد كانت هذه المسيرات وجهة لهم، حيث أصبحت شغلهم الشاغل وعملهم الدؤوب يبدعون في التصدي للاحتلال، بالرغم من قسوة الاحتلال في الرد على وسائل الشباب السلمية.

انطلقت فانطلقوا

راهن الجميع على قِصَر نَفَس الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ومقاومته، لكن المراهنة باءت بالفشل مع اتساع رقعة الفعاليات وشمولها مناطق أخرى، خلاف الحدود الشرقية، منها المسير البحري، ومستوطنة زيكيم، ومعبر بيت حانون، بالإضافة إلى التطورات والإبداعات التي برز بها الشباب الثائر في مواجهة جيش الاحتلال.

لذا بدأ الضغط على حركة حماس تجاه وقف تلك التظاهرات، فبدأ الحديث عن محادثات ولقاءات جرت في الأراضي المصرية للتوصل إلى حل لتلك التظاهرات.

حملت تلك اللقاءات طابع المد والجزر، كان آخرها العمل على دخول وقود تكفلت قطر بدفع ثمنه للاحتلال برعاية أممية، كما تكفلت بتوفير رواتب ثلاثة أشهر لموظفي غزة، وصرف 150 مليون دولار مساعدات عاجلة لأهالي القطاع.

الأمر الذي أثار حفيظة السلطة في رام الله؛ إذ اعتبرت ما جرى تطبيعًا غير شرعي جعلها تطلب علنًا منع تلك الانفراجات الاقتصادية الحاصلة للقطاع.

ما زالت المسيرات تنطلق، وما زالت الأحداث جارية، وما زال الشباب الفلسطيني الثائر ينازع من أجل حقه، لكن الطابع الغالب أن المقاومة تزداد بازدياد المؤامرات والمكائد بحق الشعب الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد