ربما من خلال قراءتك لعنوان المقال ظننت أن تلك الآفة هي الإدمان أو التحرش أو الفقر أو حتى تدني مستوى التعليم، نظرًا لما تمر به مجتمعات الشرق الأوسط مؤخرًا من افتقارٍ في تلك القيم، لكنك لو أمعنت النظر وتدبرت فيما حولك مما ترى أو تسمع لأيقنت أن أشد آفات هذا العصر فتكًا هي الوصولية والانتفاعية. ولا يمكن لأحد أن ينكر أن المشاكل الأُسرية والفقر والإدمان والتحرش وتدني مستوى التعليم وانحدار الأخلاق وغيرها كلها مشاكل اجتماعية هامةً يجب استقصالها أو حتى تسليط الضوء عليها للحد منها، لكنني على المستوى الشخصي مؤمن بأن الوصولية هي الآفة والمرض الأكثر شيوعًا في مجتمعات الشرق الأوسط حاليًا، كما أنها أشد خطورةً من الإدمان الذي يضر بصاحبه فقط لأن الوصولية قد تودي بمجتمع كامل إلى الهاوية،نظرًا لأن الشخص الوصولي وإن كان يظن أنه ينفع نفسه إلا أنه لا يصل لمبتغاه إلا على رفات وآلام الآخرين. خاصةً وإن كان هذا الشخص الوصولي يتقلد منصبًا في عدة مؤسسات بعينها، كالمؤسسة الإعلامية، أو المؤسسة السياسية، أو المؤسسة العسكرية أو القضائية. لأنه في هذه المناصب أو الجهات يكون ذا سُلطة تخوله من الوصول والتأثير في أكبر جمعٍ ممكن من الناس وهو ما لا تُحمد عقباه.

أهم الأسباب التي قد تؤدي بالشخص إلى الوصولية؟

– من الأسباب الهامة جدًا هي الاحتياج وعدم الشعور بالأمان. وقد ينشأ هذا عن طفولة غير سوية، أو أن ينشأ الشخص في بيئة لا تُقدر القيم الأخلاقية وإنما تسعي لتحقيق أهدافها بشتى الطرق لا أكثر. فيولد ذلك شخصيات يملؤها الطمع وتغلفها الغيرة

-القلق الدائم مما هو قادم وعدم التخطيط له. فتصبح انتهاز الفرص هو الوسيلة الوحيدة التي يملكها هذا الشخص، فيتصرف لحظيًا معتمدًا على لسانه دون إعمال عقله مهما كان الموقف يمثل خطرًا على الآخرين أو يضر بالفرد والمجتمع.

-عدم تأصل المبادئ في التربية فينتج عن ذلك إنسان لا يهتم بالآخرين، ولا يشعر بالمسؤلية تجاه المجتمع أو العائلة أو الأصدقاء. فهو إنسان لا يفكر إلا في نفسه فقط.

-السلبية التي تتمثل في قوله «إن كان لا يضرني فلا صالح لي»، «أنا مالي»، «لست أنا من سيصلح الكون» وغيرها من العبارات التي يصدقها العقل وتنتقل بعد ذلك إلى حيز التنفيذ الذي يضر بالكل دون التفات منه أو اعتبار لما يقع على غيره من أضرار.

صفات الشخصية الوصولية

-ستجد الشخص الوصولي يضع نفسه في المقدمة دون اعتبارٍ للآخرين أو النظر إلى قدراتهم، ويفعل ذلك دون خجلٍ أو تردد أو حتى شعور بالذنب، وعادةً ما يكون الشخص الوصولي عازمًا وحريصًا على عدم التراجع حتى يصل إلى مبتغاه مهما كلفه الأمر.

-يكون إنسانًا محدود الكفاءة أو شارف على انعدامها كليًا، غير جدير بالمنصب الذي يتقلده. كما أنه يكون دون المستوى المهني والأخلاقي، فيلجأ إلى تلك الأساليب الدنيئة من تشكيك وإبلاغ في زملائه وانتهاز للفرص ونفاق لكل من بإمكانه أن يساعده.

-ستجده في أي مؤسسة أو قطاع يضع استمالة قائده ورب عمله ورئيسه في العمل فوق كل شيء ليكسب رضاه، كما يعمل بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة.

– غالبًا ما يكون الشخص الوصولي حلو اللسان معسول الكلام يساير الجميع، يمدح الناس بما ليس فيهم ويرضى بما ليس له حق فيه، عنده قدره على الاستمرار في الكذب والنفاق والمديح لفترات طويلة جدًا ليقنع الناس بمصداقيته. حتى أنك لا تكاد تصدق أن هذا الشخص صادق رغم علمك التام بأنه يخاطبك بما ليس فيك.

– يتقن الوصوليون إخفاء الحقيقة خلف قناع من الخداع، وميزان دقيق من البراءة والصدق والمثالية وتقدير أحاسيس الآخرين، ليشعروهم بالراحة وليكسبوا ثقتهم.

كيف يصل الشخص الوصولي إلى أهدافه؟ وما الخطر من ذلك؟

عليك أن تتذكر جيدًا أن مثل أولئك الأشخاص هم معسولو الكلام، فألسنتهم هي سلاحهم الوحيد وقدرتهم الفائقة التي يتمتعون بها نظرًا لما يفتقدوه من القيم والكفاءة والتدني في المستوي المهني. فحينما يُدرك الشخص الوصولي أنك قد صدقت قوله أو استرضيت فعله فإنه فجأة وكما يطير الهواء يبدأ في سؤالك طلبًا بسيطًا قد خطط له مسبقًا ليرى بذلك جاهزيتك في التعاون أو المساعدة. فالمساعدة في حد ذاتها قد أعطته مؤشرًا بأنك تفضله وتعتبره شخصًا قريبًا منك بصورةٍ ما. لأن علم النفس يقول: إن أردت أن تعرف قدرك عند أحدهم فليس عليك أن تساعده بقدر ما يجب عليك أن تطلب منه المساعدة، فإن ساعدك فهذا يعني أنه يقدرك بطريقة ما، فأنت تساعد من تحب. لكنك لو لم تساعده فسينقلب عليك كالعاصفة دون رحمة وسيغير وجهه ولسانه وقلبه تجاهك بسرعة البرق. وكما كان يمدحك بما ليس فيك مسبقًا سيقول فيك ما ليس فيك، ولن يترك فيك روحًا أو جسدًا أو سُمعةً إلا وهاجمها بشتى الطرق وبصورة مستمرة. وصدق قول القائل: كونوا وُدعاء كالحمام وحُكماء كالحياة.

والخوف كل الخوف لو تقرب هذا الشخص من الشخصيات السياسية أو القضائية أو العسكرية والأكثر فتكًا هي أن يكون هذا الشخص شخصية إعلامية. فتُهيئ له كل السبل والوسائل التي تمكنه من إيصال أفكاره المسمومة التي يتبع فيها آراء مرؤوسيه الباطلة بعيدًا عن المهنية أو الحقيقة أو حتى ما يقرب منهما إلى أكبر عدد ممكن من الناس بمختلف أعمارهم. وهو بوصوليته يزين الباطل حقًا ويكذب وينافق ويصرف الناس عن كل ما هو موضوعي دون وفاءٍ للميثاق الذي تعاهد به. فيمدح من لا يستحق ويسلط الضوء على ما يجب إغفال النظر عنه، ويمجد أصحاب السُلطة حتى رغم أضرارهم البالغة ويعطي انطباعات منافية للواقع عن الحياة في الدول الأخرى، ويحتقر حقوق الإنسان بمختلف أنواعها تبريرًا لأفعال البعض وتجاوزاتهم تحت شعار المحافظة على الصالح العام.

والأمر أسوأ من ذلك بكثير إن صدقه المشاهد أو المستمع لتنتقل الأفكار غير السوية إلى أناسٍ آخرين يصدقونها ويتعصبون لها ويحاولون جاهدين إقناع الغير بها دون الوقوف على صحتها او التفكير فيها. أما إن صدقه الحاكم أو المسؤل كانت النتيجة أن يتمادى في عمله الذي لا يعود على الناس بنفع بل يضر بهم اعتقادًا منه أنه على طريق الصواب. وقليلًا ما تجد من الحكام أو رؤساء العمل من يوقف مثل هؤلاء الوصوليين عند حدهم ويحد من صلاحياتهم. ولا يذكرني هذا إلا بموقف الملك فيصل بن عبد العزيز عندما أعطى درسًا في المهنية الإعلامية مخاطبًا الهيئة الإعلامية السعودية شاكيًا امتداحهم له طوال الوقت، رافضًا الأغاني والأشعار والكلمات الرنانة التي كانت تقال فيه ليل نهار، مُنسبًا الفضل في كل عمله وقراراته لله وحده ومعلنًا أن كل ما يفعله ما هو إلا واجبه بوصفه ملكًا يسعى لمصالح الشعب. وقليلًا ما تجد مثل هذا الرجل في مثل هذه الأيام، لأن الغالبية العظمى أصبحت ترضى فقط عمن يمدحها ولا يتعارض معها. متناسيين الفرق الهائل بين الاختلاف والخلاف.

فمثل الإعلاميين والسياسيين الوصوليين كمثل الرويبضة الذي ذكره الرسول صل الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي رُوي عن أصحاب السُنن قائلًا: يأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويُكذب فيها الصادق، يؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرُويبضة. قالوا وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال التافه يتكلم في أمر العامة. ونظرًا لأن الشخص الوصولي شخص لا يتمتع بأية صلاحيات تخوله من تقلد ذلك المنصب وإيصال صوته الكاذب لجموع الناس وضع تحت طائلة الرويبضة الذي لا يعلم وإنما يفتي بما فيه مصلحته فقط، وذلك نظرًا لانتشارهم اللافت للنظر على الشاشات وفي كل البرامج في صورة الواعظ الديني أو المصلح الاجتماعي

-يصل الشخص الوصولي إلى أهدافه بصورةٍ أسرع عن الشخص المجتهد المعتمد على قدراته وكفاءاته، لأن كل ما يقتضيه الأمر هو كلمات رنانة وعبارات فارغة تلقى على مسامع المسؤليين. أما الشخص المجتهد فوصوله إلى هدفه يعد معركةً شرسة وجهادًا نفسيًا واجتماعيًا، ففي النهاية لا يمكن أن يستويان.

وفوائد أن تصل بمجهودك أنه لا فضل لأحد عليك إلا الله ولا ينسب نجاحك ومثابرتك إلا لك أنت، كما لا يجب عليك رد الجميل لأحد إلا لأولئك الذين ساعدوك حبًا في الله وتقديرًا لمجهوداتك. لكن الشخص الوصولي وإن حيا ألفًا من الأعوام لا يجد هناءً ولا يعرف راحةً نظرًا ليقينه التام بأنه عاش حياته مضرًا بالآخرين، كما يحيا مكدر النفس والبال ذليل رد المعروف والجمائل والمحسوبية وعدم القدرة على التوقف عنها أو الحد منها.

لا شك أنك قد واجهت أو قابلت شخصًا وصوليًا يومًا ما، وعلى هذا تعد أكثر الطرق فاعلية في الحذر من هؤلاء الأشخاص هي مواجهتهم في بداية معرفتهم وإعلامهم بفهمك التام لطباعهم وشخصياتهم، كما يمكن أن تعطي لهم بعض النصائح في بداية التعارف. لكن لو أنك قد اكتشفت معدن هذا الشخص متأخرًا فالأفضل لك هو أن تتجنبه لأنه يعرف تمامًا كيف يضرك إن واجهته في مرحلة متأخرة نظرًا لطول الفترة الزمنية ومعرفته لك. ومثل تلك الشخصيات ضوؤها خافت مهما ارتقى ودورها محدود قصير الأمد، تعلوا سريعًا لكنها تهوي إلى القاع أسرع. فدع أمرهم للأيام وهي ستتكفل بما تبقى.
أبعدنا الله وإياكم عنهم وأذكركم ألا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكية. وفقكم الله كلّ في مكانه ودمتم أهلًا لكل جميل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد