في خلال الفترة الزمنية التي أعقبت استيلاء الضباط على السلطة وإنهاء الفترة الليبرالية القصيرة التي أعقبت انتخابات يناير عام 1950 وتشكيل مصطفى النحاس باشا لحكومته التي استمرت حتى حريق القاهرة في يوم السبت 26 يناير 1952 وإقالته في مساء نفس اليوم وبدء تشكيل الحكومات التي مهدت الطريق للانقلاب العسكري الذي أطاح بالعهد الملكي ومعه أيضًا قدر الديمقراطية الذي كان متاحًا وقتها وكان متقدمًا جدًا بالنسبة لباقي شعوب المنطقة التي تتوسط العالم. بعد استيلاء الضباط على الحكم؛ بكل بدائياتهم وعدم نضجهم سياسيًا وإداريًا في إدارة السلطة فقد تعرض المصريون لإهانات بالغة هي الأشد قسوة في تاريخهم؛ تحت حكم العسكر الذي بدأ لأول مرة في مصر في يوليو 1952 وأعيد إنتاجه على صورة أشد قبحًا في يوليو 2013، وقد أنتج انقلاب يوليو الثاني استيلاء الفريق عبد الفتاح السيسي على الحكم ومعه شريكه في الانقلاب الفريق صدقي صبحي رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية وقتها؛ ووزير الدفاع – بعد ذلك -.

وكانت الإهانة الكبرى التي ارتكبها هؤلاء العسكر المسيسون الدراسون في الولايات المتحدة الأمريكية وأصحاب الصلات؛ مع وزارة الدفاع الأمريكية و«مخابرات البنتاجون» وأعضاء القيادة العسكرية في الجيش المصري في السنوات الأخيرة في فترة حكم الرئيس حسني مبارك: هي «تقزيم الدولة المصرية» تقزيم أرضها (التنازل عن تيران والصنافير للسعودية) وتقزيم نيلها (الموافقة لأثيوبيا أن يكون نهر النيل نهرًا أثيوبيًا؛ لا نهرًا دوليًا) وتقزيم عملتها (عمليات تعويم للجنيه المصري وخفض قيمته أمام العملات الأجنبية) وتقزيم مواطنيها (المواطن المصري لا حقوق له أمام السلطة الحاكمة) والاستخفاف به وإجاعته وتقليل دخله وجعل الأثرياء أولًا وفوق الجميع من المصريين. وتبديد ثروات الدولة في عمليات شراء سلاح فوق طاقة استيعاب الجيش وحاجته. وإذا كان تقييم أداء السلطة عملية تقديرية؛ إلا أن هناك ما يمكن جعله معيارًا ثابتًا في عمليات التقييم؛ وهو ما يتعلق بحقوق المواطن الأساسية في الدولة والتي بدون حصول المواطن عليها تسقط السلطة القائمة ولا يحق لها الاستمرار في الحكم أبدًا؛ وهذا بالتحديد ما كان موضع الإهانة التي تعرض لها الشعب المصري مؤخرًا. فقد تعرض المصريون بواسطة حكامهم وبواسطة أنفسهم أيضًا لأقصى الإهانات التي يمكن أن يتعرض لها شعب من الشعوب وكانت الإهانات مرتبطة في الجانب الهام منها بقيمة الإنسان المصري في نظر سلطته، ومرتبطة بمدى تجاوب السلطة الحاكمة مع مفهوم حرية المصري في مجتمعه وعلى أرض وطنه. ومرتبطة بفهم السلطة لقيمة أرض الوطن وضرورة المحافظة عليها وصونها.

وكانت الإهانة أيضًا في فهم السلطة الحاكمة لمعنى قيمة حياة الإنسان المصري وفهمها لحقوقه وواجباتها نحو المواطن ونحو المقيم من الأجانب على أرض الدولة المصرية. ومثلًا فقد عبرت السيدة الإيطالية «بولا ريجيني» والدة الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني» بصراحة وبفهم ومراقبة للحياة في مصر؛ عن العلاقة بين الحاكم والمحكومين؛ حين قالت أمام البرلمان الإيطالي في مجال حديثها عن ابنها المعذب والمغدور (في مصر) على يد أجهزة الأمن والمخابرات: «لقد عذبوه وقتلوه وكأنه مصري» وهي جملة محملة بمعانٍ لا نهائية في كشفها وفهمها لما يعانيه المواطن المصري «ذاته» على يد السلطة المصرية الحاكمة له.

وربما كان للسيدة الإيطالية بعض العذر في قسوة كلماتها المعبرة عن فجيعتها في ابنها المقتول على يد السلطة المصرية (وبالمناسبة فلم تخرج مظاهرة أو فعل شعبي في مصر منددًا بقتل الباحث الإيطالي في ظاهرة مؤسفة لتدني فهم الشعب لحقوقه ولحقوق الإنسان عمومًا) ولكن هذه الإهانة تمر إذا ما قورنت بما قام به وفعله وقاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من إهانات في حق المصريين وفي حق الدولة المصرية منذ أن استولى على السلطة وأصبح رئيسًا للجمهورية في يونيو 2014 فقد جعل السيسي بسلسلة أخطائه من مصر «الرجل المريض» الذي يتنافس الطامعون على إزاحته من الوجود ووراثته وتقسيم أملاكه وهو ما زال في فراش المرض (السياسي والرئاسي) حيًا؛ كما قام السيسي منفردًا بالتنازل للمملكة السعودية عن أراض استراتيجية حاكمة للملاحة في خليج العقبة ومؤثرة في الوزن النسبي للدولة المصرية، وهو عمل غير مفهوم؛ حتى ولو كان السيسي قد استجاب فيه رضوخًا لضغوط أمريكية وصهيونية وسعودية بتوسعة اتفاقية «كامب ديفيد الأولى» لصنع شرق أوسط عالمي جديد. وكان الأخطر مما فعله السيسي بالتنازل عن الجزر المصرية، ويمثل إهانة عظمى أيضًا؛ هو حملات الأكاذيب التي أطلقها لتبرير فعل التنازل ثم تجاهل الأحكام القضائية النهائية المتعلقة بحسم السيادة المصرية على الجزر؛ ثم محاولة تمرير الاتفاق الخاص بهذه الاتفاقية من خلال البرلمان، فكان كل هذا بمثابة انتحار للسلطة التي تدير الدولة المصرية.

وقد استمرت إهانات السيسي العظمى للمصريين: داخل مصر وخارجها؛ فبينما كان في زيارته الرسمية الأولى لفرنسا، فقد ارتكب السيسي واحدة من أخطر إهاناته لمصر وللمصريين: لقد تحدث عبد الفتاح السيسي عن أن مصر دولة وليدة في مضمار الديمقراطية (هذا في حد ذاته جهل فاحش بالتاريخ المصري الذي عرف برلمانًا حرًا ودستورًا حديثًا في عام 1881) وتحدث عبد الفتاح السيسي عن أن المعايير الأوروبية في مجال حقوق الإنسان غير مناسبة للتطبيق في مصر (أول مواثيق حقوق الإنسان المدونة في التاريخ هي ما دون وطبق على أرض مصر منذ أكثر من 5000 سنة) لقد تحدث الرئيس المصري بهذا الحديث المهين أمام الرئيس الفرنسي السابق (فرانسوا أولاند) ليمر الكلام وكأن «التاجر الفرنسي» أجاز لـ«البائع المصري» أن يُتَاجر ما دام الضحايا ليسوا «أوروبيين» وكأنه أيضًا قد قبل مغمض العينين أن يقوم السيسي «بإشعال النار في شعبه وإهانته»: التسامح في قتل الحاكم المصري للمواطن المصري؛ ما دام قد نجح في بيع نظام الحكم في مصر «أسلحة للقتل» يبلغ ثمنها وقتها ما يقرب من 80 مليار جنيه، تسدد من أموال الشعب المهان بفعل سلطاته الحاكمة. وفي مرات أخرى وجه الرئيس السيسي حديثه للمصريين بأنهم «فقراء قوي». وأن مصر شبه دولة وهكذا استمرت إهانات الحاكم المصري للمصريين وسوف تستمر إهانات السيسي العظمى للمصريين حتى يعرف المصريون أن الإهانة العظمى تساوي الخيانة العظمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد