‏«لصوتك كاريزما مقنعة وحضور طاغٍ» هذا ما يجب أن يتعلمه ويطبقه ‏رجال الدين، فكيف تطالبون بخطاب ديني فعال وهادف في حين أن هذا ‏الخطاب مهما كانت صلابته وأهدافه حتمًا سيلقي حتفه على لسان أحد ‏العظماء الأجلاء؟! ‏

إنني أعلم أن الأمر يبدو غريبًا قليلًا، ولكن الحديث عنه ربما يكون مفيدًا. فهذا الأمر يبين أن أساليب استخدام رجال الدين والفقه لنبرة أصواتهم في الخطابات ‏والإجابات يلعب دورًا مهما في بناء التأثير لدى المستمع.

الكثير منا إن لم يكن جميعنا تستفزه كلمات، عبارات، صوت صاخب، صوت منخفض بشكل مبالغ فيه، ولكل فرد انطباعاته الذاتية عن نفسه وعن غيره، وهي عبارة عن مجموعة المشاعر والأفكار؛ حيث يختلف مفهوم الأفراد عن ذواتهم باختلاف الكيفية التي يدركون بها أنفسهم وغيرهم وهذا من خلال المحادثات والإطار الشامل لتلك المحادثات.

هل تستفزك نبرة صوت من يتحدث معك؟ وتؤذيك تمتمته؟ هل تُنهي حديثًا هامًا لمجرد سماع نبرة صوت جهور؟ هل ترفض تقبل فكرة أو حل بسبب لين وميوعة صوت المحادث؟ كلها أسأله غالبًا جوابها (نعم) أو (أحيانًا).

الصوت هبة من الله؛ حُسن استخدامه يجعل صاحبه مُفضلًا أو مُحَقَّرًا

استوقفتني نبرة صوت البعض من رجال الدين من المشهود لهم بالغنى العلمي والفقهي، والموثوق فيهم لدى الأغلبية، فبالرغم من الذخر الديني والثقافي الوفير، إلا أن لديهم مفهوم خاطئ في استخدام نبرة الصوت، حيث تشعر وأنت تستمع إليهم بالتقزز والملل والرتابة، بل كثيرًا ما تجد فيهم ادعاء الفضيلة وهذا لتناولهم نغمة صوت ضعيفة ضيقة غير ناضجة، منخفضة ومفتعلة؛ ليشعرك وكأنه في كوكب سحابي خارج نطاق الكرة الأرضية أو كطائر ‏سائح في ملكوت الرحمن، ‏هذا وبالإضافة إلي تعبيرات الوجه، فمع هذه النبرة الركيكة المسترخية تقترب عدسات الكاميرا من وجه المتكلم وهو مغمض العينين، مهتز الوجه والرقبة فيظهر في وجهه اللطف واللؤم.

أيها السادة.. شتان ما بين صوت يخرج بنبرة مريحة ولطيفة فتجذبك، وما بين صوت ‏يخرج بميوعة وبرود واسترخاء فيستفذك ويُنفرك. قد قرأت الكثير من الدراسات ‏النفسية التي تحلل نبرة الصوت وتصف صاحب الصوت المتزن ‏والمنخفض بشخص هادئ ومسالم، ولكن لا ننسي بأن الزائد عن الحد ‏يتحول إلى الضد، وقد أكد جيفري جاكوبي في كتابه (كيف تقولها بصوتك) أن نبرة الصوت يمكن أن تكون عاملًا في نجاحك وفشلك، ‏يلعب الصوت دورًا رئيسًا في الاتصال والتواصل، كما تساهم النبرة في القبول والرفض فنبرة الصوت تحتل أولوية أكبر من محتوي الكلمات. أن يبدو صوتك مسترخيًا أكثر من اللازم أو يتصف «بالمتهدج» أو «الخفيض» أو «الخافت» أو «الهامس» يجعلك تبدو مرتبك، ويفضح تصنعك، وبالتالي يتم رفض محتوي خطابك مهما كان صدقها، طريقتك أظهرت كم أنك غير حقيقي.

نبرة الصوت تكشف النقاب عن مكنون المتحدث، لا سيما في مفاوضاته أو اجتماعاته أو لقاءاته الاجتماعية المهمة، فقد أكدت الدراسات أنه عندما يخطب مسؤول أمام حشد من الناس، فإن 93% من تأثير الرسالة علينا كمستمعين يأتينا من خلال نبرة صوته و إيماءاته الجسدية.

الجزء الموجع في الأمر أن السادة أصحاب العمم والهمم عندما ينشغلون بنهم في إظهار كم هم مسالمون، وصادقون، تفضحهم نبراتهم ووجهوهم الغير محتملة، فهم لم يهتموا بعقل المتلقي المهيأ للنقد اللاذع، حتى وإن كان ما بين أيديهم حقائق يقدمونها في أشكال وبرامج وخطابات مختلفة دون النظر في تلك المنطقة التي تعكس المكنون الذاتي للمتكلم، كما أنهم تناسوا أن لم يعد هناك مجتمع حسن النية مسالم، فالجميع يستقبل كل كلمة بشكل عدائي من مسؤولي الدولة عمومًا وبشكل خاص من رجل الدين، والدليل علي ذلك ما تتناوله وسائل وشبكات التواصل الاجتماعي بالنِكات والتلميحات أغلبها تخص علماء الأزهر الشريف، فالمصري رجل النكتة يقابل ما يرفضه ويؤلمه بالسخرية.

نحن – المتلقين – غالبًا سنتحمل ما يرميه علينا الزمن عبر وسائل الإعلام المختلفة كما تعودنا.‏

ولحين وصول اليوم المنتظر الذي يستيقظ فيه كل مسؤول، أقدم تحياتي لكل رجل دين مسؤول يظهر حقيقيًا، طبيعيًا، صادقًا يحترم عقول مستقبليه.

في النهاية لي ولكم ولجميع من مرت عيناه على كلماتي: كن ذاتك الحقيقية وابتعد عن التكلف، كن صادفًا طبيعيًا في نبراتك وتصرفاتك، فالتكلف يعمل على قتل عملية الاتصال والتأثير. أما عن علمائنا، التلاعب والتمثيل والادعاء يظهر في انحراف نبرة صوتك، فتهددك بالإفصاح عن ذاتك غير المقصودة، حاول أن تكون طبيعيًا حتى لا يتغير المراد ويسوء الظن. ‏

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد