تعد مشاعر الإنسان مع المصائب والقدر مادة للأعمال الدرامية باختلاف تفسيرات صناع العمل أو جمهوره الذين قد يرون تفسيرًا مختلفًا عكس التفسيرات الظاهرة، ففيلم مثل the shawshank redemption قد فسره البعض تفسيرات أذهلت صناعه لعمقها. وفيلم The Grey يعتبر مثله.

8

 

يتحدث الفيلم عن أوتواي (ليام نيسين) صائد الذئاب الذي يؤمن منشأة نفطية بألاسكا. فقد عمل بهذه الوظيفة هربًا من مشاعره منذ وفاة زوجته. إلا إن اكتئابه يزداد في ليلة ليكتب رسالة انتحار إلى زوجته المتوفاة، في مفارقة غريبة لا يعرف سببها كما قال! يبدو أوتواي عدميًّا؛ فهو يصف نفسه في رسالة انتحاره بأنه “قد توقف عن فعل أي خير في العالم”، وكلما أغلق عينيه يحلم بزوجته تخبره ألا يخاف.

 

إلا أن عواء ذئب يفسد محاولة انتحاره فيقتل الذئب. أثناء عودة عمال المنشأة تسقط طائرتهم وينجو 7 أشخاص. تبدو الأحداث شبيهة بأفلام vertical limit وcast away حيث البشر يواجهون الطبيعة القاسية في صراع لأجل البقاء إلا أن هذا الفيلم مختلف لرمزيته.

9

 

بعد إفاقته في الثلوج حيث يسهل الموت متجمدًا يجد أوتواي ناجين آخرين عند حطام الطائرة. مع ندرة الغذاء والتدفئة تبدأ المواقف الصعبة باحتضار أحدهم لإختراق معدن الطائرة جسده فيخفف أوتواي عنه. يجمع أوتواي محافظ الموتى فهم ليسوا أرقامًا، بل يمثلون حيوات كاملة ﻷناس ذي أحلام وعائلات يجب أن تعرف مصيرهم. ويعنف أوتواي أحد الناجين لمحاولته سرقة متعلقات أحد الموتي.

 

عند الظلام يقتل أحدهم ذئبًا ليصبح الناجون مهددين بالموت من الصقيع أو من الذئاب. يقترح أوتواي سرعة التحرك لكن الأمور لا تسير بسلاسة، فالناجون منهم من لا تحتمل رئتاه هذا الثلج ويسير فيه بصعوبة ومن يرفض قيادة أوتواي لهم. يتسائل أحدهم، ألا يعتبر بقاؤهم أحياء عناية من الإله؟ ليقابل بسخربة فيصر على قناعته.

 

أما أوتواي فيقول إن البرد والذئاب حقائق وهو يتمنى لو كان يؤمن بالآخرة، ولكنه قلق بشأن العالم الحالي، ليس لأنه ملحد بل ﻷنه “واقعي”. بعد قتلهم لذئب يطلب أوتواي من الباقيين شواء هذا الذئب لتفوح رائحته وأكل لحمه الكريه لإرهاب باقي الذئاب معنويًّا، ويتمادى أحد الناجين فيفصل رأس الذئب ويلقيها في اتجاه وكر الذئاب.

 

هل يشير الفيلم إلي مقولات الداروينية الاجتماعية كـ “لو لم تكن ذئبًا ﻷكلتك الذئاب” و”البقاء للأصلح”؟

 

تطارد الذئاب الناجين المتناقصين من الموت ليتبقى ثلاثة، يقرر أحدهم الاستسلام معللاً بأنه لا يملك شيئًا سوى حياة فارغة بين المنشأة والحانة. وأثناء هروبهما من الذئاب يقع أوتواي ورفيقه في المياه ويغرق رفيقه وسط محاولات أوتواي لإنقاذه.

 

كونه الناجي المتبقي يجلس أوتواي على الثلوج ويسب ويلعن ويطلب من الإله أن يساعده فورًا وليس لاحقًا، ولو رأى علامة لذلك سوف يؤمن به حتى يموت، وعندما لا يجد شيئًا قد حدث يقول لنفسه: “تبًّا, سأفعلها بنفسي”.

 

إن مشكلة الملحد العاطفي هي تعامله مع الله تعامل الطفل المدلل مع أبيه؛ فهو يريد منه فعل كل شيء له، وينسى الملحد العاطفي أن المدرس يكون صامتًا أثناء اختبار تلميذه، ولا يتدخل إلا نادرًا، وكذلك الحال بين البشر وخالقهم؛ فالتدخل الإلهي المستمر سيحرم الإنسان من حرية الاختيار، ويلغي معنى وجوده، فلا معنى لإنسان بلا صراعات.

 

10

 

يفتح أوتواي المحافظ وينظر لصور الناجين مع عائلاتهم، ويقترب منه قطيع الذئاب وقائده لتنسحب لها ويواجه أوتواي وحده. هل الذئاب هنا مجرد حيوانات أم رمز لمعنى أكبر؟ فأوتواي كان يقود الناجين أي أن قائد الذئاب سيواجه قائد البشر.

 

كان أوتواي قد ذكر سابقًا قصيدة لأبيه تتحدث عن المعركة الأخيرة والموت والحياة في نفس اليوم. هذه القصيدة تتحدث عن معنى إيماني، فالفن كما وضح علي عزت بيجوفيتش لا يمكن تفسيره ماديًّا. يردد أوتواي القصيدة متذكرًا أباه وزوجته ليستجمع معنوياته وأسلحته استعدادًا لمواجهة الذئب.

 

وينتهي الفيلم نهاية مفتوحة بانقضاضهما على بعضهما رغم وجود مشهد بعد التترات لأوتواي مريحًا رأسه فوق الذئب، وهو ما يعيدنا إلى سبب احتفاء بعض الملحدين بالفيلم. هل لمجرد أن أول من مات هم المؤمنون بالإله بالإضافة إلي مشهد أزمة أوتواي الإيمانية يصبح الفيلم إلحاديًّا؟! هذا تفسير أحادي سطحي لفيلم نهايته مفتوحة!

 

هناك تفسير مبني على كون أوتواي قد أفاق وحيدًا بعد سقوط الطائرة؛ مما يعني أن الناجين الآخرين هم انعكاسات نفسية له أي أن بداخله المؤمن والمتشكك والكافر، بل ومن لا يثق فيه أصلاً، وهو تفسير أعمق.

 

وربما ﻷنه لم يجد لحياته معنى بعد وفاة زوجته فأتى قتال الذئاب ليمنحه فرصة أخرى سواء برد محافظ من ماتوا إلى ذويهم أو بمعركته الأخيرة ضد قائد الذئاب. إن تحول شخص كان يسعى للانتحار إلى شخص يقاتل للحفاظ علي حياته لهو تحول لا يمكن تفسيره إلا بتغير إيماني. فلم لا تكون هذه الأحداث بمثابة ابتلاء إلهي ليحصل على معنى لحياته كان قد فقده منذ توفت زوجته؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم, نقد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد