وراء كل حدث جلل، تكمن آلاف التفاصيل، التي تشير بأصابع اتهام وتخفض أخرى، تعطي تفاصيل تزيل لبسًا، وأخرى تشوه المعالم، فلا تكاد ترى يديك إذا أخرجتها وسط كل ذلك الزحام.

حادث مصرع الدكتور محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين بمصر، يعد واحدًا من تلك الأحداث التي لها ما بعدها، حيث أماط اللثمة ووضع أخرى، ما قد يصبح حدثًا فارقًا في تاريخ الجماعة التي تواجه أحلك أوقاتها على الصعيد الداخلي المصري، والخارجي على مستوى العالم.

وفي تقديري، تقف جماعة الإخوان المسلمين اليوم أمام منعطف تاريخي، بعد مصرع أحد أهم قياداتها في أحلك أوقاتها، محمد كمال، الذي لم يكن بعد الثالث من يوليو قائدًا عاديًا.

منذ عدة شهور، اندلعت نزاعات داخلية داخل الهيكل التنظيمي القائد للجماعة بمصر، والمعروف بـ «مكتب الإرشاد»، الذي يرأسه الدكتور محمود عزت، المقيم خارج مصر، خلافات لم تهدأ وتيرتها مذ دبت، طالت كل القطاعات داخل الجماعة، بدءًا من توصيف القيادة وهيكلتها، سواء في داخل مصر أو خارجها، مرورًا بتوزيع أموال لجان «البر»، امتدادًا إلى الموقف من مبادرات مختلفة لاستبدال مكتب الإرشاد، وانتهاءً بالموقف الرسمي للجماعة من العمل النوعي، ومن المصالحة مع النظام المصري في أعقاب الثالث من يوليو 2013.

لكن اتهامات غير مسبوقة في تاريخ الجماعة، بدأت ترمي سهامها تجاه القيادة التاريخية لها، بلورت حالة من تنامي الشك لدى الصف الإخواني، وبخاصة الشبابي، في القادة الذين ينتمون لجبهة «عزت»، وقد كانت التهمة هذه المرة – علنيًا -، الوشاية بزملاء من المكتب، والتضحية بهم وتقديمهم قرابين رضا للنظام المصري، سواءً من حيث الإبلاغ بأماكن إقامتهم، أو بتوجيه الدفة الإعلامية تجاههم، وقد بدا هذا جليًا في الخلاف الجذري تجاه مسألة العمليات النوعية.

كمال كان حجر زاوية في سير العمل النوعي داخل الجماعة، الأمر الذي قوبل بمماطلة كبيرة من جانب القيادة التاريخية للجماعة في هيكلها الحالي الذي يرأسه «محمود عزت».
كمال أيضًا كان ركنًا ركينًا في تطور ما عرف بـ «مبادرة المكاتب» التي دعت إلى حلحلة النمط القديم ممثلًا في «مكتب الإرشاد» الكلاسيكي بقيادة «عزت» أيضًا، مستبدلة إياهم بقادة المكاتب الإدارية داخل كل محافظة، الأمر الذي قوبل باستهجان كبير وصل إلى حد تجميد عضويته من المكتب في 2015، ما قابله الرجل بتسجيل صوتي شهير، تطرق خلاله أيضًا لفضيحة التبرعات التي هزت كيان الجماعة، وأدت إلى انشقاق عشرات الشباب المنتمين لصفها.
قتل الرجل، وعدم الاستفادة مما لديه من معلومات، وتأخر القيادة الكلاسيكية في إصدار بيان نعي سريع – كما المعتاد، وتصاعد حدة الموجة التي تنادي بعدم نسيان ما فعله كمال أثناء نزاع الجماعة الداخلي، أعطى فكرة تخطت مجرد الإيحاء، حول اختراق الجماعة الفاضح من الداخل، وحول تورط القيادات في الإبلاغ والتنسيق مع القوات التي اقتحمت منزل «كمال».
القصة المحكية الآن، وإن لم نحس بضراوة تفاصيلها في يومنا الحالي، فإنها سوف تكون محورًا تاريخيًا هامًا، إن أراد الله لهذه الجماعة «المنتهية» أن تبعث بعد موات، ولكنها النهاية المؤكدة التي لا يمكن التنكر لها، ولا الفرار من تفاصيلها، لجماعة «الإخوان المسلمين» بسيفيها ومصحفها ونمطها القديم، وليمتنع دراويشها حفاظًا على صحة أبدانهم، وضمانًا لاحترام عقولنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد