أدى تفكيك وإعادة تشكيل جبهة النصرة لنفسها بسم هيئة تحرير الشام 2016 إلى فرض مزيد من التعقيد على المشهد الفصائلي العسكري في سوريّا، فكانت أولى نتائج هذه الخطوة إعلان ما يسمى تنظيم حراس الدين الانفصال بشكل رسمي عن جبهة النصرة، ومبايعتها للقاعدة، ولم تنف في ذات التوقيت أنّها ولدت من رحم الثورة السورية.

خاضت هيئة تحرير الشام منتصف العام 2020 عمليات عسكرية عنيفة ضد التنظيمات الجهادية المبايعة للقاعدة وجاء ذلك ضمن سياسة المنفعة والترضية التي أتبعتها الهيئة بعد توقيع بروتوكول 5 مارس (آذار) 2020 بين تركيا وروسيا فيما سُمي بملحق موسكو لخفض التصعيد، وفرضت الهيئة على حراس الدين توقيع ثلاث اتفاقيات في ثلاث مناطق نجحت في ضبط وتجريد التنظيمات الجهادية من الفعالية ضمن مناطق نفوذ المعارضة، ولكن هذا لم يمنع التنظيم من شن عمليات خارج تلك المناطق.

في 4 أغسطس (آب) 2021 تبنى تنظيم حراس الدين عملية تفجير حافلة تقل ضباطًا وعساكرًا تابعيين للنظام السوري في دمشق فيما أطلقوا عليه غزوة العسرة، وقالوا في البيان إنّ هذا الاستهداف أتى نصرةً لمحافظة درعا، ودعا المعارضة العسكرية لعدم الانصياع للقرارات والتأثيرات الدولية والإقليمية.

تكتيك حرب العصابات

رسم استهداف تنظيم حراس الدين لقاعدة تل السمن الروسية نهاية العام 2020 تكتيك جديد في التعاطي مع المشهد العسكري ضد النظام السوري، فبدا أنّ التنظيم بات يركّز على نقل عملياته ضد النظام والقوات الإيرانية والروسية من محافظة إدلب إلى مناطق النفوذ المختلفة، ولقد جاء استهداف دمشق الأخير تأكيدًا على هذه السياسة.

لقد حمل تبني التنظيم في بيان رسمي له، استهداف دمشق الكثير من الرسائل العسكرية والسياسية لكل الأطراف سواءً النظام السوري، أو حتى للمعارضة السورية والعسكرية باختلاف توجهاتها، إذ كان أهمها القدرة على الوصول إلى العمق الإستراتيجي للنظام السوري وحلفائه كمحافظة دمشق، وهذا يعتبر تطورًا كبيرًا في الحين الذي لم يعد قادرًا أي فصيل معارض من تحقيق هذا الاختراق الأمني الإستراتيجي ويكمن أهمية هذا الاستهداف بأن التنظيم استطاع الوصول إلى العمق الأمني للنظام السوري (دمشق)، وهذا يعكس مدى الهشاشة، وغياب الفعالية، والتأثير الذي يعاني منه الأخير.

من شأن هذا الاستهداف أن يسهم في إرباك النظام السوري أمينًا؛ مما يؤدي إلى زيادة الضغط عليه ليس فقط لإعادة النظر في الإجراءات الأمنية المتخذة، بل حتى في ضرورة تأمين العاصمة دمشق، وأخذ الاحتياطات اللازمة، وتوقع تشكيل التنظيم خلايا للعمليات النوعية؛ ما يعزز إمكانية شن مثل هذه العمليات الخاطفة بشكل مستمر.

من المهم القول إن التنظيم نجح بالفعل من دحض رواية النظام السوري في قدرته على فرض الأمن والاستقرار في مناطقه في ظل دعوته المتكررة للاجئين السوريين للعودة إلى سوريا عبر إقامة مؤتمرات تدعو لذلك، سيعزز هذا الاستهداف رواية الأطراف الأخرى المعارضة بأنّ النظام السوري لم يستطع ضبط المناطق التي يسطر عليها ما قد يشكل هاجس لدى الفاعلين بإمكانية «التعافي المبكر».

إحراج المعارضة وتشكيل الحاضنة

لا يمكن قراءة هذا الاستهداف بعيدًا عن المعارضة السورية ولا سيما بأنّ البيان تطرق بشكل ما إلى عدم فعالية المعارضة السورية العسكرية في الرد على الهجمات المتكررة على كل من جبل الزاوية في محافظة إدلب ودرعا البلد في محافظة درعا في ظل ما تشهده المحافظة من معارك هناك بين أفراد من المعارضة العسكرية والقوات الإيرانية.

يعول التنظيم على إمكانية إعادة بناء حاضنة شعبية له في مناطق المعارضة السورية؛ مما قد يساعده على إمكانية عودة انتشاره وتمدده في محافظة إدلب، وعلى هذا الأساس يستثمر في قضايا محينة من خلال التلويح أن هذه العملية أتت نصرةً لدرعا في الوقت الذي تشهد محافظة إدلب استياءً من قبل الأهالي على خلفية الرد السلبي على الاستهدافات المتكررة التي يقوم بها النظام السوري.

لوح التنظيم من خلال البيان أنّ الفصائل العسكرية المعارضة غير مستقلة على عكسه وتعمل لأجل أجندة غير ثورية ودعاها لأن تبدل سياستها الراهنة، أي فتح معارك عسكرية مع النظام السوري، أو استهدافه في مناطقه بعمليات نوعية.

يستفيد التنظيم من خلال هذا الخطاب في محاولة تجنيد بعض المقاتلين لديه في مناطق المعارضة في ظل السكون الذي تعاني منه الفصائل العسكرية وانصياعها بشكل شبه كامل للاتفاقيات الثنائية الموقعة بين دول إقليمية مسيطرة على المشهد السوري.

كما يساهم ذلك في إحراج النظام السوري أمام حاضنته الشعبية على خلفية تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية في مناطقه بالتالي إن تكوين صورة عدم قدرة النظام في فرض الأمن والاستقرار، وفشله على الصعيد الأمني قد يعزز حالة الغضب من عدم تمكن النظام في تحمل الأعباء الأمنية والاقتصادية.

التأكيد على سردية النظام

بعد الاستهداف ستكون فرصة النظام السوري في الاستثمار به عالية جدًا، سواء أمام حاضنته الشعبية أو حتى أمام المجتمع الدولي إذ من المفترض أن ينعكس ذلك على خطاباته التي تؤكد بشكل شبه دائم أنّه يحارب التنظيمات الجهادية والإرهاب ويكافح القاعدة، وبأن محافظة إدلب تسطير عليها تنظيمات جهادية؛ مما يدفع القاعدة التي تؤيد النظام السوري من منطلق عدم وجود بديل، إلّا الإرهاب بأن يلتفوا حوله من جديد بصرف النظر عن السياسات السيئة المتبعة؛ ما يعني غض الطرف عن كل العقوبات الاقتصادية المفروضة جراء بقاء هذا النظام في السلطة.

تبقى التنظيمات الجهادية بالعموم غامضة التوجه وتعمل على خلط الأوراق ما يسمح لها بالتحرك فيما يخدم مشروعها لذلك من الطبيعي أن يحمل هذا الاستهداف الكثير من إشارات الاستفهام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد