منذ بزوغ شمس الحضارة الإسلامية واجتياحها حضارات أخرى كحضارتي فارس وروما انصهرت ثقافات أخرى مع ثقافة العرب المسلمين حتى باتت جزءًا أصيلًا منها مؤثر في لغاتهم وحروف كتاباتهم حتى في طرائق ارتداء ملابسهم، إضافة لعاداتهم وتقاليدهم، وذلك بصفتهم الأقوى بين الشعوب في زمانهم، وهذا يفسر اتباع الأمم لهم القذة بالقذة مثلما يقول علماء الاجتماع بأن المغلوب يقلد الغالب في طبائعه وبدائعه.

بعد مرور عشرات القرون والمسلمون يتصدرون المشهد في العالم كأول قوة عظمى مؤثرة في الشعوب، وفي العهد الأخير من الحكم العثماني الثاني الذي كان آخر عهد للخلافة الاسلامية المعروفة انبثقت من قلب أوروبا بوادر سطوع حضارة غربية جديدة كما توقع العلامة ابن خلدوني ذلك منذ قرون بعد أن كانت تعيش في ظلام وانحطاط، حيث بدأ الغربيون يتساءلون حول دور رجال الدين والإقطاعيين في ظلمهم وتخلفهم وظهرت نجوم مضيئة من علماء وفلاسفة ورجال دين أحرار ينشدون التغيير، والتحرير، والتنوير، ودفعوا ثمن خروجهم من حكم الكنيسة والنظام الإقطاعي باهظًا كلفهم ملايين الشهداء.

واستطاعوا بعد أجيال تقليم أظافرهم وتحجيم دورهم في ريادة المجتمعات مما ساهم في تكوين تربة خصبة للعلماء والذين انكبوا في أبحاثهم وميدانهم مستفيدين من إنجازات من سبقوهم وساهموا إلى حد بعيد في تغيير رؤية وتفكير الناس للكون والطبيعة ومحاولة ترويضها لخدمة مصالحهم وفق منهج التجربة والملاحظة؛ مما أدى إلى امتلاكهم عوامل القوة والتي مكنتهم فيما بعد من السيطرة على موارد الثروة في أي مكان، وبعدها بدأ عصر موجات الغرب الاستعمارية يجتاح العالم بشرقه وغربه وشماله وجنوبه بحثًا عن الموارد والثروات.

هكذا حال الحضارات في كل زمان ومكان ما أن تغرب شمس حضارة حتى تشرق أخرى في مكان أخر وذات طابع مختلف، ولكل حضارة تقام في العالم سنن محددة حسب ما يرى أهل الاجتماع أي أمة تتبناها تمسك بزمام الأمور، سواء كانت ملحدة أم مؤمنة، وهذا ما أكده الواقع مرارًا وتكرارًا، رغم محاولات الإنكار والمكابرة من قبل بعض المسلمين وبعد الموجات الاستعمارية التي قادها الغربيون ضد العثمانيين وبقايا المماليك.

وقف المسلمون موقف الصدمة بعد رؤيتهم لحجم القوة التي يمتلكها خصومهم، حيث واجه المدفع العثماني والبندقية العتيقة الطائرات والأسلحة الثقيلة، فحسمت المعركة باكرًا وظل المسلمون تحت سيطرة الغرب عقود مريرة وتداول الغربيون احتلال العالم الاسلامي ما بين غزو إسباني وبرتغالي، ثم فرنسي، وآخرها بإنجليزي وفرنسي وإيطالي، ثم أمريكي وهلم جرًا، والمسلمون عاجزون عن فعل شيء ليس لهم سوى الدفاع ثم الدفاع ثم الدفاع.

هذه قصة الشرق باختصار، أما في أقصى الغرب وفي بلاد الهنود الحمر وبعد اكتشافهم لهذا العالم الجديد واجههم الهنود الحمر بالرماح والأقواس، وسرعان ما حسمت المعركة لصالح سلاح الرشاش والأسلحة الثقيلة، ثم رضخوا للأمر الواقع، فقسمت قارتاهم بين قوى القارة العجوز الطامعة للثروات.

على الصعيد الفكري الإسلامي وبعد موجات البعثات الطلابية إلى الغرب صدمت الأجيال الأولى بالحضارة الغربية وصدر الغرب إلينا الفكر الإلحادي عبر من اعتنق أفكارهم من أبناء جلدتنا، وانبرى مفكرون للتصدى لأفكارهم الوافدة، ودارت معركة سجال بين متبني الفكر الشرقي والغربي، وكان موقف العالم الإسلامي – حسب تلخيصي – من الحضارة الغربية مقسم لثلاثة أجزاء:

الجزء الأول مذهب الانفتاح، ويحثنا رواده ومنظروه على أخذ كل ما تصدره الحضارة الغربية لنا دون تحفظ وازدراء، وذلك حتى نهضم حضارتهم ونجاريهم فيها، والجزء الثاني وهم أصحاب مذهب الاعتدال، حيث يحث رواده ومنظروه على أخذ ما نحتاجه من الغرب فقط، كالعلوم الطبيعية مثلًا ونتحفظ على كل ما يتصادم مع حضارتنا الإسلامية، لاسيما كل ما يتعلق بالدين الإسلامي الحنيف، أما الجزء الثالث والأخير فهم أصحاب مذهب الانغلاق وموقفهم هو الانعزال ومقاطعة كل ما يصدره الغرب من أفكار وحتى منتجات! كي لا نتأثر بحضارتهم وتذوب ثقافتنا الإسلامية.

أصحاب الموقف الثالث الذين اختاروا الانغلاق أو الانعزال سرعان ما تقهقروا أمام المد الغربي الجارف، وقد صك منظروه، لاسيما المشايخ منهم الآلاف من الفتاوى التي ترفض كل ما هو غربي وتبحث عن تأصيل شرعي لمقاطعه، وقد ذهبت فتاواهم أدراج الرياح مع مرور الزمان فلم يعد التصوير محرمًا ولا لبس البنطال ولا التلفاز كما كانوا يفتون، وللأسف وقع أكابر المشايخ في هذا الفخ وقلت شعبيتهم بين محبيهم واعتبروا دعاة رجعية من قبل محبيهم قبل معارضيهم.

أما أصحاب الموقف الثاني، وهو موقف الاعتدال والذين اختاروا لأنفسهم أخذ كل ما هو جميل من الغرب وترك ماهو قبيح فهم لم يشرقوا ولم يغربوا وظلوا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء يطعنون من الخلف من قبل أصحاب مذهب الانعزال بتهمة التماهي مع الغرب والخيانة للإسلام ويطعنون أيضًا من الأمام من قبل أصحاب مذهب الانفتاح بتهمة الرجعية والتخلف.

أما أصحاب الموقف الثالث وهو مذهب الانفتاح فصكت في وجوههم من قبل الطرفين صكوك الردة والإلحاد فلم يعترف بهم الغربيون كما كانوا يتوقعون لأن النزعة الأوروبية السلطوية لا تريد استنساخ تجربتها لغيرها أبدًا ولم يعترف أيضًا بهم الشرقيون الذين تنصلوا عن ثقافتهم ورموا بها عرض البحر.

يميل علماء الاجتماع دومًا سواءً اختلفنا معهم أم اتفقنا إلى أن أصحاب الموقف الثالث، وهم معتنقو مذهب الانفتاح أنهم الاقرب من غيرهم لهضم الحضارة الغربية واستنساخها لكون الحضارة حسب وجهة نظرهم تجب ما قبلها ولا تستطيع الشعوب بكافة مثقفيها صدها أو حتى ردها والتاريخ خير دليل على ذلك، فالدول التي قررت الانعزال سرعان ما تقهقرت شعوبها وتاقت نحو الانفتاح والدول التي وقفت في المنتصف وانتهجت منهج الاعتدال مازال شعوبها بتوق للانفتاح الكلي كما هو حال الغرب الذي نقلده القذة بالقذة أما الدول التي اختارت الانفتاح كليًا؛ فأصبح يضرب بها المثل في التقدم والرقي ويتوق الجميع للسفر اليها، وقد أجاد عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في تلخيص هذا الشيء عندما قال: لو خيروا المسلم بين الدولة العلمانية والدولة الإسلامية لاختار الدولة الإسلامية ثم لهاجر إلى الدولة العلمانية!

ولو لا حظنا أن تركيا وماليزيا نظامهما علمانيًا وقد انفتحتا على الغرب كليًا واستنسخت تجاربهم متطابقة، لكن تركيا وأن بدت غربية بطابعها، فلديها مشروع حالم وهو العودة من جديد بالخلافة الإسلامية عبر البوابة العلمانية والجميع يترقب نجاح أو فشل تجربتهم التي لربما تكون قدوة للدول الإسلامية إذا ما استطاعت تخطي العقبات التي يضعها النظام الرأس مالي العالمي.

إن خير دليل على ما نقوله حول مد الحضارة هو ما يحدث الآن في الخليج العربي والذي يشهد تغير اجتماعي كبير، فمنذ حوالي 10 سنوات تقريبًا لم نكن نرى مثلًا في التلفاز أن امرأة خليجية تلبس التنورة أو تفتح شعرها أمام مرأى ومسمع من أهلها وذويها.

وها هم نساء الخليج اليوم نراهم على هيئة غربية ضاربين عادات أسلافهم عرض الحائط، بل إن الحكومات الخليجية التي لطالما عرفناها قد لزمت خط التحفظ دومًا بدت اليوم من أكبر مؤيدي الانفتاح وتعد برامج على المدى الطويل لنيل المرأة حقوقها حسب الطريقة الغربية، ولاشك أن هذا مطلب غالبية النساء بفعل المد الحضاري الغربي، وهذا ما يؤكده قول علماء الاجتماع الذي سبق وذكرناه، وهو أن الحضارة جهاز متكامل لا يمكن أخذه مجزءًا، فهي مد جارف لا يصد ولا يرد يؤثر في اللغة والملبس، وكل ما تعنيه الثقافة من معنى، ولو أجرينا مسحًا للدول العربية التي استعمرت من الغرب أولًا، فشعوبها هي الأكثر تأثرًا بالحضارة الغربية، بينما الدول التي استعمرت متأخرًا، أو التي كان تأثير الاستعمار فيها قليلًا كدول الخليج مثلًا نجدها الأقل تأثرًا بالحضارة الغربية، وهذا ما نلاحظه في دول الخليج التي تحبو حبوًا نحو الحضارة الغربية عكس الدول العربية الأخرى التي كانت نسخ غربية صرفة، ثم عادت إلى الوراء بسبب ردة فعل المعارضين لها، وعلى رأسهم رواد الصحوة الإسلامية وهي متذبذبة خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد