جميع الحكومات العربية بلا استثناء ساقطة في حفرة واحدة يزيدون عمقها بضعفهم وشتاتهم، وتزيد إسرائيل وأمريكا من عمقها أيضًا باستغلالهم، وكلما حاول أحدهم التذاكي والخروج منها على حساب الآخرين وبمعونة إسرائيلية وأمريكية غرق أكثر وربما قُبر في ذات الحفرة.

وهذا المقال ليس للوقوف مع طرف دون الآخر، إنما هي محاولة لتسليط الضوء على المشهد بشكلٍ عام، فلا أبرئ أي طرف من أطراف الصراع في الخليج وفي الوطن العربي بأكمله، فما نراه اليوم أمر طبيعي نتيجة سنوات طويلة من الشتات والعداء والتخوين والاتهامات بين الإخوة والأشقاء، غياب الرؤية الاستراتيجية والبعد السياسي والاقتصادي الأممي جعل كل حكومة تبحث عن مصالحها الخاصة دون أي اعتبار لمصالح الشعوب وبقية الدول، وما استجداء الحماية من الخارج إلا أكبر دليل على ما نعانيه من ضعف وشتات.

فقطر التي دعمت الثورات العربية هي ذاتها لا تدعم مبادئ هذه الثورات في بلادها، فما سر هذا التناقض؟
قطر صاحبة قناة الجزيرة التي أثّرت في الملايين من الشباب العربي، تبحث عن أي خبر يسيء لجيرانها وخاصة المملكة العربية السعودية وهي لا تختلف عنهم كثيرًا في سياستها. قطر التي تدعم حماس هي ذاتها التي تقيم علاقات جيدة مع إسرائيل.

ومن جهة ثانية..

دول الخليج باستثناء قطر بذلت كل ما بوسعها لإفشال الثورات العربية، وفي ذات الوقت تتدخّل قطر -ربما لإيقاف ذلك الفشل ودعم الثورات أو لمآرب أخرى- فيحمى الوطيس ويزداد الأمر سوءًا في تلك الدول، وينتشر القتل والإرهاب والفوضى وداعش.

قصة جماعة الإخوان المسلمين مع قطر وموقف بقية الدول الخليجية والعربية أيضًا منها عبارة عن لغز آخر، فكما سبق وذكرت أن قطر تتناقض مع نفسها فهي تحمي كثيرًا من المنتمين لهذه الجماعة، ومع ذلك فلا نرى تطبيقًا سياسيًّا واضحًا لما يتبنونه من مبادئ في مسألة الحكم والعدالة في الداخل، وها هي تركيا التي تتبنى ذات المبدأ تعلن حمايتها ووقوفها بجانب قطر. أيضًا لتركيا مواقف وتحركات مشبوهة في المنطقة العربية.

إيران تشكّل خطرًا على الجميع، وجميع دول الخليج تقيم علاقات مختلفة الأشكال معها، وهذا أمر طبيعي، لكنها تظهر أطماعها في المنطقة، والجميع يخشى تمرّدها الذي بدا واضحًا في اليمن.

ترامب يزور المنطقة ويحصد المليارات لحماية المنطقة العربية من التهديدات الإيرانية ومن الإرهاب، وهو يعرف تمامًا من أين يأتي الإرهاب بالضبط، ومن أين تأتي قوة إيران.

الإرهاب تصدرّه وتستورده بلداننا العربية عبر عدة طرق ليس أولها التخلف الفكري والديني وليس آخرها الدعم الحكومي المباشر لتحقيق بعض الأغراض السياسية، أما إيران فهي ليست بأفضل حال من الدول العربية ولكن بشكلٍ مختلف، ربما لأنها تمتلك رؤية استراتيجية لا تمتلكها الحكومات العربية.

سيناريو اليوم يذكّرني بسيناريو حرب الخليج، عندما اتفق الجميع ضد صدام ودُمِّرت العراق وتضرر العراقيون أشد الضرر حتى يومنا هذا ، فصدام أخطأ عندما كبر وازدادت قوته وتضخّم، وصدّق الكذب الأمريكي، وبقية الدول العربية والخليجية أخطأت أيضًا حين بترت جزءًا من جسدها بمبضعٍ أمريكي.

لقد كان وما زال الظلم عبارة عن سلسلة كل حلقةٍ فيها أعظم من سابقتها.

ليت الجميع يتعظ من دروس التاريخ، ويتعالى على جراحه لينقذ ما تبقى للأمة من مقدّرات، ليتهم يتوافقون ويتفقون لإيقاف هذا الانحدار الذي نحن ساقطون فيه وكلما طال الوقت ازدادت سرعته وازدادت الخسائر معه.

مهما كان الخلاف بين الدول العربية، فلا أحد يعاني حقيقةً سوى الشعوب العربية، التي باتت تستجدي الأمن الجسدي والفكري والغذائي والصحي من الدول الغربية، وهي حقوق طبيعية لأي شخص في هذا العالم، ولكن في الوطن العربي بات الجميع يعيش حالة استنزاف نتيجة سياسيات فاسدة ومختلّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد