قراءة مبسطة للأزمة الخليجية في ضوء مبدأ أيزنهاور 1957، وهو المبدأ الحاكم في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أزمات العرب البينية أو مع غيرهم باستثناء إسرائيل.

أولا: تعريجه على المبدأ

من المفترض أن مبادئ الرؤساء الأمريكيين تعبر عن الاتجاه العام للسياسة الخارجية الأمريكية، وهي بمثابة نقاط ارتكاز، وكذلك محددات لمسارات السياسة الخارجية الأمريكية، أي أنها مبادئ كاشفة لاعتقاد وذهنية وعقل صانع القرار السياسي الأمريكي، ومن ثم يمكننا القول إن مبادئ الرؤساء الأمريكيين هي الصياغة الرسمية لمحددات الموقف الأمريكي التى يلتزم بها كل الرؤساء الأمريكيين فيما بعد صياغة واعتماد المبدأ، وفيما يعد ضمنًا دستورًا للخارجية الأمريكية.

في ضوء ذلك نجد مبدأ أيزنهاور الذي ظهر بعد أزمة السويس 1957، وطبق أولًا في أزمة لبنان 1958، والذي ينطلق من قاعدة المصالح القومية الأمريكية، والتى يراها أيزنهاور حين أعلن عن مبدئه هذا حول رؤيته لحلول أزمات الشرق الأوسط والمنطقة تتحق من خلال إنشاء مؤسسة تنمية عربية على أساس إقليمي (والتى ستظهر فيما بعد باسم مجلس التعاون الخليجي) كنقطة ارتكاز لدعم المصالح الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى شركة أرامكوا الزراع النفطي العملاق.

ويرى أيزنهاور أنه بإنشاء هذه الاداة السياسية والاقتصادية الإقليمية كما يدعي ستساعد بلدان الشرق الأوسط (الأنظمة الحاكمة) لتجعل مصالح أمنها، مصالحها السياسية والاقتصادية تتقدم بحرية. وقد تقدم الرئيس الأمريكي بمشروعه هذا إلى الدورة الاستثنائية للأمم المتحدة الخاصة التي عقدتها الجمعية العامة بشأن الشرق الأوسط.

كما يلاحظ أن الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض أكدا على أهمية الحصول على موافقة العرب على مشروع أيزنهاور، والذي يرتكز على الآتي:

1- تفويض الرئيس الأمريكي سلطة استخدام القوة العسكرية في الحالات التي يراها ضرورية لضمان السلامة الإقليمية، وحماية الاستقلال السياسي لأية دولة، أو مجموعة من الدول في منطقة الشرق الأوسط، إذا ما طلبت هذه الدول مثل هذه المساعدة لمقاومة أي اعتداء عسكري سافر تتعرض له من قبل أي مصدر تسيطر عليه الشيوعية الدولية.

2- تفويض الحكومة في تفويض برامج المساعدة العسكرية لأية دولة أو مجموعة من دول المنطقة إذا ما أبدت استعدادها لذلك، وكذلك تفويضها في تقديم العون الاقتصادي اللازم لهذه الدول دعمًا لقوتها الاقتصادية وحفاظًا على استقلالها الوطني.

الترجمة السياسية لهذا المبدأ انه لا مجال لاستخدام الأداة العسكرية في حل الخلافات البينية الخليجية، كما أنه لابد عند استخدام الأداة العسكرية أن تكون موجهة ضد دول عدو للولايات المتحدة أو مهددة للمصالح الأمريكية، كذلك لا تستخدم الأداة العسكرية، إلا بموافقة أمريكية.

ثلاث نقاط حاكمة للسلاح في منطقة الخليج تفسر لك لماذا الاتهامات المتبادلة بين قطر ودول الخليج بإقامة علاقات مع كوريا الشمالية أو دعم للإرهاب كما تفسر لك لماذا لم تستخدم دول الحصار الحل العسكري للأزمة حتى الآن.

ثانيا: الخطوات الأمريكية في التعامل مع الأزمة

1- حياد السلاح

الترجمة السياسية لمبدأ أيزنهاور أنه لا مجال لاستخدام الأداة العسكرية في حل الخلافات البينية الخليجية، كما أنه لابد عند استخدام الأداة العسكرية أن تكون موجهة ضد دول عدو للولايات المتحدة أو مهددة للمصالح الأمريكية، كذلك لا تستخدم الأداة العسكرية إلا بموافقة أمريكية.

ثلاث نقاط حاكمة للسلاح في منطقة الخليج تفسر لك لماذا الاتهامات المتبادلة بين قطر ودول الخليج بإقامة علاقات مع كوريا الشمالية أو دعم للإرهاب، كما تفسر لك لماذا لم تستخدم دول الحصار الحل العسكري للأزمة حتى الآن.

وحيث إن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الأزمة لم تستطع تجاوز مبدأ أيزنهاور في مواقفها المعلنة، فقد حالت بين اندلاع صدام مسلح بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، ومن اليوم أعلن الجيش الأمريكي في بيان له ردًا على قرارات دول الحصار أن أزمة الخليج لم يكن لها تأثير، ولا يتوقع أن يكون لها أي تأثير على العمليات العسكرية الأمريكية في هذا البلد، الذي يأوي قاعدة عسكرية أمريكية مهمة؛ هي قاعدة العديد.

حيث قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، جيف ديفيز: لم تتأثر عملياتنا سواء في قطر أو فيما يتعلق بالمجال الجوي المتاح حولها، ولا نتوقع أن يكون هناك أي تأثير.

وفي تصريحات أخرى لـديفيز أشار إلى أن حصار قطر الذي تفرضه السعودية ودول خليجية، سيعرقل قدرة الجيش الأمريكي على التخطيط لعمليات ضد تنظيم داعش في الشرق الأوسط على المدى البعيد. وهذا ما حال بين دول الحصار وبين استخدام السلاح لإنفاذ رغبتها وتحقيق مطالبها.

2- لا لتفتت مجلس التعاون الخليجي

ألقت الأزمة بظلالها على مجلس التعاون الخليجي حيث بات مصيره معلقًا، إما بتغير النظام الحاكم في قطر، او التشرذم وفقدان الفاعلية النابعة من تجانس وتعاون دول مجلس التعاون الخليجي في سياستها الخارجية مع العالم.

وحتى هذه اللحظة التى أكتب فيها المقال لازالت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل ومن خلال مؤسسة الخارجية الأمريكية لمنع تفتت مجلس التعاون الخليجي وهو الاداة المحورية للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.
حيث طالب وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون كلا من السعودية والإمارات والبحرين ومصر بتخفيف الحصار المفروض على قطر، قائلًا: إن «ما حدث له تبعات إنسانية وتأثير على التحالف الأمريكي الذي يقاتل ضد تنظيم داعش». ولا زالت المحاولات مستمرة.

3- أما الخطوة الثالثة

فإذا نجحت مساعي الخارجية الأمريكية في منع تفتت مجلس التعاون الخليجي، فمن المتوقع أن تكون الخطوة هي رأب الصدع وإعادة التجانس وحينها سنفرد لها مقال تام لهذه الخطة، حيث إنها ستكون هي الأصعب والأخطر على شعوب المنطقة والجماعات الإسلامية والإصلاحية والتيارت السياسية.

ثالثًا : نضوج سياسي قطري باهر.

تعتبر لعبة الشطرنج وقواعدها المعقدة من الالعاب المعبرة عن سياسات الدول الخارجية في تعاملها بعضها مع بعض في حالة الصراع.

ومن القواعد الحاكمة للعبة الشطرنج أنها تقوم على (الفعل ورد الفعل) حيث لا يسمح لأحد الطرفين إلا بحركة واحدة فقط كفعل أو كرد فعل في إطار زمني محدد أو مفتوح، ومن يخالف ذلك يعتبر أحمق وتنتهي المباراة.

كذلك العلاقات الدولية تقوم على الفعل ورد الفعل وكل دولة تخالف ذلك تعرض نفسها لحالة هياج دولي تصل لحد اصطفافات عالمية.

وهذا ما وعته السياسة الخارجية القطرية جيدًا، وعملت بمقتضاه، حيث أجلت رد الفعل الخارجي، وبذلك جمدت أي خطوات تصعيدية كان مخطط لها من دول الحصار، ثم عملت على ترتيب وتقوية دعائم الحكم في الداخل، تجنبًا لحمق خليجي بعمل عسكري كنوع من سياسة فرض الأمر الواقع على أمريكا غير الموافقة على استخدم الحل العسكري للأزمة،
أو أن تقوم هذه الدول بدعم انقلاب داخلي في قطر يغير تركيبة النظام برمته.

اما الخطوة الثانية فعملت على تفادي الأزمات الداخلية الناتجة من الحصار  والتقليل من حدتها، خاصة الاقتصادية. ثم كانت الخطوات المتتالية باعتماد السياسة الخارجية النشطة والوساطات الداعمة للحل السلمي للأزمة عن طريق التفاوض المباشر غير المشروط، سواء الخليجية أو الدولية، بمحاذاة ذلك عملت قطر على تقوية الحلف مع تركيا وأمريكا، وفتح مزيد من القنوات مع روسيا وإيران، إلى جوار رسائل التهدئة الموجهة للملك سلمان خاصة، والأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية بشكل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد