الأصغر يطوف حول الأكبر، الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر يدور حول الأرض، والشمس حول المجرة. إلى أن نصل إلى الأكبر مطلقًا وهو الله، فكلنا يتوق إلى رحلة هي أجمل رحلات العمر على الإطلاق، فحين تنبلج أنوار اليقين بحب الله وحب لقائه، تحلّق الروح شوقًا لبلوغ تلك الديار، والطواف بالبيت العتيق، ويطير فرحًا على طول الطريق، لبيت الله الذي هو أغلى من العقيق، مستجيبًا لنداء نبي الله إبراهيم ذي القلب الرقيق، ومحبةً لرسول الله الذي هدانا الله به إلى خير طريق، وصعود جبل الرحمة، والانضمام لضيوف الرحمن، لكن أمانيه تلك يحول دون تحقيقها المعوقات سواءً كانت القوانين التي تحدد أعمار وأعداد الحجاج، أو الظروف المانعة من مرض مقعد أو فقر مدقع أو ارتباط اضطراري، أو غير ذلك من الأقدار.

فلمن لم يستطيعوا الحج لأي سبب كان، فنبشّرهم أنه بإمكانهم أن يحجوا بأرواحهم من بلدانهم؛ من خلال الاجتهاد في استحضار النيات، واتخاذ صالح الأعمال سفينة لمرضاة الله، ليرى منهم ربهم ما يرضى به عنهم، ويكتب لهم الحج وييسر لهم زيارة بيته الحرام، وما ذلك عليه بعزيز سبحانه جلّ في علاه. ومن ذلك؛ اغتنام أيام العشر من ذي الحجة، هذه الهدية الربانية لكل من يريد أن يحصل على فرصة للفوز بثواب الحجاج التي تعدّ من أفضل أيام العمر. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر» رواه البزار وابن حبان وصححه الألباني.

ومن فضائلها أيضًا؛ أن جعلها الله تعالى مواسم للطاعات، وللتعرض للنفحات، يرفع الله بها الدرجات، ويضاعف فيها الحسنات، وجعلها أشرف زمان للأعمال، وفضل أعمالها على الجهاد الذي هو أشرف الأعمال. ففيها يوم عرفة، يوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النار، ويوم المباهاة، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله عز وجل فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة» (رواه مسلم)، وفضائل صيام هذا اليوم لغير الحاج عظيمة فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عرفات أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والتي بعده» (رواه مسلم)، ويوم عرفة يوم استجابة الدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة» صححه الألباني.

وفيها يوم أكمل الله تعالى فيه الملة، وأتم به النعمة، قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- : إن رجلا من اليهود قال: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال : أي آية؟ قال: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا» [ سورة المائدة:5]. قال عمر – رضي الله عنه- : قد عرفنا ذلك اليوم الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة».

وفيها يوم النحر ويتضمن شعيرة، هي من أحب الأعمال إلى الله تعالى وهي الأضحية، يقول تعالى: «والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير» وقال تعالى: «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب».

ولعلمنا أن أيام العشر هي ميدان للأعمال الصالحات بدون استثناء، فمن باب التذكير أن من الأعمال المستحبة فيها؛ المحافظة على صلاة صلاة الجماعة وصلاة النافلة، والصدقة وصلة الأرحام وتفقد الجيران والمساكين وطلب العلم النافع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتلاوة القرآن والذكر والدعاء، وكل قول أو فعل يحبه الله ويرضاه. كما ويتحب فيها أيضا الاكثار من التكبير والتهليل والتحميد، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشرة فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتحميد» (رواه أحمد)

فلنحرص أحبابنا الكرام على اغتنام كل دقيقة في أفضل أيام العمر، وتذكر فضل الله تعالى الذي جعل لكل من فاته أن يكون في أماكن الحج الفاضلة، عوضًا في الأزمنة الفاضلة وهي أيام العشر من ذي الحجة.

ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام مرات عديدة، وأعوام مديدة، وأن ييسّر الحج لمن يحج هذا العام، ويرزقهم الكمال والتمام، والعودة لبلادهم في أمن وأمان، وسكينة واطمئنان.
وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد الذي علمنا المناسك، وكان هو خير ناسك، صلى الله عليه وعلى من اتبعه وعمل بنهجه ما عبد الله عابد وتنسك لله ناسك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحج, الله, رحلة
عرض التعليقات
تحميل المزيد