تحدث كولن ولسن عن اللامنتمي؛ ذاك المبدع (من شعراء وفلاسفة…) الذي ينعزل عن المجتمع لأن لغته أصعب من أن يفهمها قوم التفاهة (ضحايا الأحداث)، وهذا الانعزال هو الذي قال عنه أرلوند توينبي الخلوة المهمة التي يتبعها المبدعون في حياتهم قبل أن يخرجوا إلى المجتمع ليقلبوه رأسًا على عقب. لقد فعل هذا شوبنهاور وتلميذه النجيب نيتشه، وهذان الشخصان – بشخصيتيهما المضطربتين – كان لهما تأثير الفراشة، عن طريقة كتبهما، في أحداث الحرب العالمية الثانية التي مات فيها العديد من البشر كالذباب.

لما كتب شوبنهاور كتابه (العالم إرادة وفكرة)، لم يجد قراءً له سوى القليل من البوهيميين، فأكد بكل ثقة في النفس أن ما يكتبه لا يخص الجيل الحاضر، بل يخص الأجيال القادمة، فقال كلامًا مأثورًا لازال يتردد بين رفوف المكتبات حول العالم: إن كتابي هذا مثل المرآة، فإذا نظر فيها حمار فلا تنتظر أن يرى وجه ملاك.

إن التافهين هم من يسيطرون على أحداث العالم، لهذا رأى نيتشه أن الديمقراطية لن تجلب سوى الدمار للبشرية، فقام بتقسيم الناس إلى فئة الأسياد الأقوياء، وفئة الضعفاء، ومن بين الفروق التي بينهما هو أن الأقوياء يهتمون بالأمور الراقية في حين أن الضعفاء يهتمون بالتفاهة. فأمر أن يحكم الأسياء العالم وينزعوه بالقوة من التافهين.
يضطرب اللامنتمي في نفسيته، فيحاول تدمير العالم بكل مكوناته البشرية، ليبقى وحيدًا على العرش، إنه شعور بجنون العظمة، جاء كردة فعل لما أدركه، فقد أدرك أن التفاهة هي السائدة.

نعم اللامنتمي هو شخص مضطرب نفسيا، يحمل نفيا للعالم، وليس لفرد بعينه، إنه يحاول أن يُشعل النار في كل العالم، ليضع فيه عالما كما يتخيله هو، لايستطيع بالطبع أن يُشعل النار في كل العالم، لكنه يستطيع أن يُزحزح مشاعر الأفراد من الأجيال القادمة، فيؤثر بتأثير الفراشة في كل العالم، جاعلًا فيه من العواصف ما لايحتمله الضعفاء. إنه يحتقر التافهين الحاضرين أمامه، فيقول: أنا لا أكتب لكم، فأنا لا أكتب للأموات، أنتم أموات يتمشون، ستكونون نافعين عندما تُصبحون ترابًا يتمشى عليه الجيل الذي سيقرأ أفكاري هذه، وأفكار اللامنتمين.

إن التلال لها عيون، بل العديد من العيون، لن تجد مجالًا إلا ووجدت فيها عيونًا، لضحايا الأحداث، يراقبون شخصًا مختلفًا عنهم لينقضوا عليه، أو ينقضون على بعضهم البعض، إنهم متوحشون، يفعلون أي شيء تُصدره غرائزهم، فترى أفعالهم مقززة تنفر منها قوانين الطبيعة. وقد يطرح أحدهم: أين توجد هذه التلال؟ إنها في كل مكان، إنها تملأ كل العالم، إنها مليئة بضحايا الأحداث، إنهم أناس تحولوا إلى وحوش بسبب تأثيرات خارجية، من محيطهم، فهم لم يكونوا وحوشًا، بل أصبحوا كذلك، بسبب ما استنشقوه من تفاهة من محيطهم المقزز.

ولكن ما استغرب منه، هو أن هؤلاء المتوحشين ينظرون إلى بعضهم البعض نظرة التعالي، فعندما يفعل أحدهم فعلًا مقززًا ينعته الآخر بالمتوحش، ولا يعلم أن التوحش بيئة واحدة تجمعهم، لم يفعلوا ذلك بطبيعتهم، بل لأنهم ضحايا الأحداث، الأحداث التي خُلقوا فيها، والتي تُحافظ على المواقع كما هي، إنها الأحداث التي لا يجب أن تخترقها، يجب أن تتبناها، ليس لأنك تفهمها، بل لأنها سهلة الاستيعاب، لا تجد فيها صعوبة، إنها سلسة، لا تُرهق جهازك المعلوماتي في التحليل، تتبناها وتُصبح وحشًا، تنضم بعيونك إلى عيون التلال.

لن يعود وحوش التلال، إلى طبيعتهم إلا بعد أن يستعملوا الترياق الذي يوجد أمامهم، لكنه مر بالنسبة لهم، لهذا لا يُحاولون استخدامه.

إنني أقصد بالترياق القراءة، نعم قراءة كتب اللامنتمي. اللامنتمي الذي خرج عن الأحداث وأصبح خارج التلال، وصنع الترياق، بعد أن رغب في اشعال النار في كل العالم، ليضع مكانه العالم الذي تخيله، لكن العالم مستمر كما هو، والتافهون لا يستعملون الترياق، والتلال عددها لا يتغير، بينما العيون تنمو ويزداد عددها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد