المُتابع لاستقبال العالم العربي والإسلامي بشكل عام لرأس العام الميلادي يتعجب بل يكاد لا يستوعب إجابة عن هذا السؤال: لماذا يفرح المسلمون تحديدًا بهذه المناسبة؟ وهل هي مناسبة حقيقة يجوز لهم الاحتفال بها؟

والأمر بالفعل مختلف لدى المسيحيين تحديدًا لارتباطه بأعياد دينية، لسنا في مجال التعرض لها أو حتى مجرد مناقشتها فالأمر يخصهم، وما يخصنا تقليد كثير من المسلمين لهم لا أكثر.

ظاهريًا أو من حيث الشكل: يظن كثير من المسلمين أن رأس العام الميلادي يوافق بالفعل بداية لعام جديد، دون أن ينتبهوا أنه لكي يتم إقرار العام الميلادي وفق النظام الحالي اضطر الغرب إلى تقصير أيام شهر فبراير (شباط) إلى 28 يومًا أو 29 يومًا بحذف يوم أو يومين منه، وفي المقابل تمت إضافة يوم إلى شهر أغسطس ليصبح 31 يومًا مجاملة لأغسطس (آب) الذي سُمّيَ الشهر باسمه، برغم أن شهر يوليو (تموز) السابق له تم إقرار أيامه بـ31 يومًا أيضًا، مما يعد مخالفة لنظام إقرار الأشهر الميلادية الذي أقره الغرب بنفسه ثم عاد فخالف ما أقر بنزع يوم من شهر وإقراره كل عدة سنوات ـ فيما يعرف بـ«السنة الكبيسة» التي يأتي فبراير فيها 29 يومًا مرة كل 4 سنوات ـ، وإضافة اليوم المنزوع بصورة دائمة إلى شهر أغسطس ليصبح ويوليو سابقه 31 يومًا.

إن الغرب الذي حاول مجاراة دوران الأرض حول الشمس لم يستطع أن يُحكم حساباته فاضطر للتلاعب فيها مرة في فبراير وأخرى في أغسطس وثالثة لما بدأ تطبيق النظام فاكتشف أن لديه مشكلة خطيرة في التطبيق اقتضت القفز فوق 17 يومًا كاملين وحساب بداية العام الميلادي بدونهم؛ في محاولة لمواكبة العام للظواهر الكونية.

ومع عدم رغبتنا مقارنة العام الميلادي بالهجري الذي يسير مع حركة القمر حول الأرض بدقة أكثر إلا أنه يبقى للعام الهجري البهاء والدقة ، بحسب اختيار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

أما المُدهش في احتفال كثير من المسلمين ببداية العام الميلادي فهو مضمون الاحتفال، وتصميم كثير منهم على أن بداية العام الميلادي يساوي بداية جديدة لحياة أخرى غير تلك التي يحيونها بالفعل بكل ما تحمله لدى أغلبهم من مرارة وألم مبالغ فيهما.

في أحد السنوات الأخيرة من الألفية الثانية، بحسب ما اتفق على تسميتها لما سبق أن أوضحنا في السطور الماضية من عدم دقة التاريخ الميلادي من الأساس ـ في نهاية عقد التسعينيات الماضي وقف الشاعر السوري الراحل «ممدوح عدوان» في بداية كلمة له بندوة حول الألفية الثالثة والخلاف حول بدايتها أهو عام 2000 أم 2001م ـ بحسب ما أذكر ـ ففاجأ الراحل الحضور جميعًا بقوله:

«إنني لآسى لحال العرب اليوم فكل مناسبة يحولونها لخيال لا يمت إلى الواقع بصلة بخاصة مع مرارة واقعنا الشديدة، فإن كثير من العرب اليوم يصدقون أن عام 2000م، أو في قراءة أخرى الألفية الثالثة أو الجديدة في قراءة أخيرة، كثير من العرب يصدقون أنه مع بداية 2000 أو 2001م سيتحول عالمهم إلى عالم وردي ممتلئ بالرياحين والورود الفواحة في الشوارع والبيوت والهيئات والمؤسسات!

والمعنى أن العام الميلادي ـ الذي لا يسير بدقة حسابية من الأساس ـ لن يهدي إلينا التقدم والحضارة والتغيير المرجو المنشودين ولن يحدث تغييرًا في حياتنا نحن العرب، كما يتوهم الكثيرون، ما لم نرد نحن أنفسنا أن يلطف الله بنا فيخفف ويغير من واقعنا المتردي؛ ولو بالتدريج، وهل يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء
عرض التعليقات
تحميل المزيد