تزامن عرض مسلسل «The head» مع حالة الهلع التي تصيب العالم على أثر تفشي جائحة الفيروس التاجي الجديد (كوفيد-19)، وإذ يقدم المسلسل الذي أنتجته شبكة HBO الأمريكية قضية علمية، إلا أنه لا يندرج ضمن مسلسلات الخيال العلمي، بالرغم من طرح العمل لأفكار تقدمية تتعلق بثقب الأوزون. وسط عالم تسكنه التطورات العلمية التي فرضها فيروس كورونا، جاء هذا العمل ليحاكم العلم، ويثير تساؤلات عديدة، حول أخلاقيات التجارب العلمية، ومدى موضوعية وصدق العلماء، أمام البشرية.

يقدم العمل، صورة قاتمة، تلف تجربة علمية، تسعى لتطوير بكتيريا تحارب الاحتباس الحراري، لتتطور الأحداث في سياق درامي بوليسي، في أشد البقاع تعقيدًا، حيث تدور أحداث العمل في أحد المراكز البحثية في القطب المتجمد، ليشكل مشهد الجليد، والعواصف الثلجية خلفية شديدة الروعة لأحداث المسلسل، وتضيف حبكة طبيعية، ساعدت على صياغة السيناريو الذي يعتمد أساسًا على غياب التمدن والقانون.

العلم.. الجريمة

حقق العلم نقلة عظيمة في رحلة البشرية إلى المستقبل وسهل على البشر حيواتهم، وساهم في تفكيك ألغاز الكون وأسرار الوجود، إلا أن هذه الرحلة العلمية في المجالات كافة، لم تكن تسير بيسر وثبات، وسط جدل ظل قائمًا منذ عقود، حول مدى إنسانية التجارب العلمية، ومدى التزام العلماء بالأخلاق السامية، التي لطالما كان العلم يسعى لصونها وتكريسها.

عندما تُذكر أمامك، كلمة عالم، فإن أول ما يخطر ببالك، هي الهالة العظيمة، التي يتحلى بها العلماء، لما يقدمونه من خير ورفاه للإنسانية، ولكن هل حقًا يستحق كل العلماء هذا الإجلال؟ وخاصة أن بعض التجارب، التي قد تحقق تقدمًا نوعيًا، في مجال معين، قد تكون أحدثت انتهاكات جسيمة على صعد إنسانية اخرى.

فرضت اللحظة الحالية أسئلة شديدة التعقيد حول العلم، في ضوء انتشار فيروس كورونا وما يواجهه العلماء العاملين في المختبرات البيولوجية، أو الذين يعملون على تطوير لقاحات تقاوم الفيروس التاجي؛ إذ يوجه للعلماء اتهامات بالتقصير، والانتهازية أحيانًا، ويتورط بعض العلماء بقضايا سياسية، من حيث احتكار العقاقير، وبيعها للشركات والمؤسسات الرأسمالية للتكسب من ورائها، وحرمان البشر المقهورين في المجتمعات المعدومة والدول الفقيرة.

إلا أن المسلسل الذي نحن بصدد دراسته، يوجه اتهامات أٌخرى للعلماء، حيث يُظهر بما لا يدع مجالًا للشك مدى عمق الفصام، بين الذي نعرفه ونتخيله عن العلماء، ويبين حقيقتهم كبشر معرضين للخطيئة على اختلاف أشكالها، يعرض العمل منذ البداية، حالة الانقسام التي تسود بين أعضاء الفريق البحثي الذي اختار أبرد بقاع الأرض لأداء تجاربه والبحث في حلول لمشكلة الاحتباس الحراري.

في ظل غياب الوازع الأخلاقي وانعدام منظموة القوانين، في بؤرة بعيدة عن المدنية والحضارة، يخوض هؤلاء العلماء تجربتهم، متحررين من الالتزامات القانونية، وتبدأ في هذه البقعة المتجمدة حالة من الالتباس والشكوك بين أعضاء المجموعة، لتظهر الخلافات فيما بينهم، قبل أن تتطور إلى مشاجرات عنيفة، يتحول فيها العالم الملتزم، إلى شخص مهووس يبحث عن مصلحته الشخصية، الانتهازية.. السرقة.. العنف.. المكر.. الجنس.. الابتزاز الجنسي، المناكفات بين أعضاء الفريق الواحد، غياب التفاهم، جو بربري يغرق فيه أبطال العمل، متناسين المهمة السامية التي وجدوا لأجلها، ليبدأ كل من جهته بتلفيق التهم وتخريب العمل ليصل أحيانًا إلى تدمير ممنهج لكل ما أنجزه الفريق، بينما ينتفي الحوار، ويتفشى منطق الغاب بينهم، لتسود المصلحة الشخصية لكل فرد، وتعلو على التعاون العلمي والأفكار البحثية.

تفضي هذه الحالة من الاتهامات والعنف والتحريض، لمجموعة من الجرائم الغامضة، يضع العمل هذه الجرائم في سياق الحال الذي وصله الفريق البحثي من إنحطاط فكري، كمحصلة نهائية باعتبار جرائم القتل العشوائية والمنظمة هي أعلى درجات الخطيئة البشرية بعد سلسلة من الممارسات المنافية للأخلاق الإنسانية، وتبدو عمليات القتل مبررة لكل أعضاء الفريق، خاصة أن كل فرد من أفراد الفريق، قد أضحى متهمًا وضحية في الوقت نفسه.

إلا أن هذه الجرائم تقود إلى جريمة واحدة مشتركة، تورط فيها أعضاء الفريق برمته، وتتجلى هذه الجريمة المادية، كانعكاس أخير لكل عمليات الإجرام التي مارسها الفريق بحق نفسه، وبحق القيم التي خرج لأجلها المشروع البحثي. يبدو وكأن مخرج العمل وكاتب السيناريو يريد من هذه الجريمة المشتركة، تثبيت الذنب على جميع أبطال العمل، وبقدر ما نجح سيناريو العمل في تثبيت ذلك، إلا أن الضحية كفهوم مناقض للميول الإجرامية حضرت بقوة في هذا العمل.

ضحايا.. مجرمون

يدور أبطال العمل في حلقة مفرغة وسط تفشي مريع للجريمة بينهم، في حين يختبئ القاتل وسط الجماعة، يصبح كل فرد ضمن هذه المجموعة، قاتلًا محتملًا، أو ضحية محتملة، فتنتفي فكرة الجماعية، وينعزل كل فرد في المجموعة على نفسه، لتسيطر حالة من الانغلاق على الأحداث، بخلاف ما يقتضيه العمل ضمن مثل هذه المشاريع العلمية.

تشكل هذه الحالة من الالتباس والشك، بؤرة خصبة، لنمو النوايا الإجرامية لدى أعضاء الفريق، وتغدو الجريمة مبررة تمامًا، في الوقت، الذي ينهار المشروع البحثي تحت وطأة الظروف المعقدة التي يمر بها الفريق، والتي تجعل من هذه المهمة السامية، مشروع انتحار جماعي، وتضيع الأهداف العليا التي صاغها هذا الفريق، لتنبعث بقوة، فكرة الخلاص الشخصي، إن هذه الحالة يبرزها عامل المكان بوضوح، في هذا المحيط الذي لا تحكمه قوانين، ولا تطاله دولة، تتبلور الأسئلة عن سبب حدوث هذا كله، لتحال الجرائم المرتبكة، والتي بصدد أن تُرتكب للجريمة المشتركة التي تتبدى في الظهور شيئًا فشيئًا مع تطور السيناريو، ليصل إلى لحظته النهائية، التي تتكشف فيها الحقائق، ولكن ضمن روايتين مختلفتين، يواجهم بطل العمل المفترض.

يحال المشاهد لمجموعة من الأسئلة، التي تحاول تفكيك الأحداث، فمن جهة يبدو أبطال العمل مجرمين وانتهازيين، ومن جهة أخرى، يبدو هذا الفريق المذنب ضحية لذنب كبير ارتكبوه بمحض إرادتهم أمام انعدام الخيار وتغلب المصلحة الشخصية، ويبقى للمتابعين على اختلاف آرائهم، الحكم الذي يطلبه الفن من الجمهور.

الصراع الجندري

يبرز العمل الصراع التقليدي بين الرجل والمرأة في سياق الأحداث، ويظل هذا الصراع يتطور، بدءًا من انطلاقه كصراع فكري على احتكار المشروع، وصولًا لتجسد هذا الصراع إلى اشتباك مباشر طرفيه رجل وامرأة، ويتخذ هذا الصراع دورًا مهمًا في الختام بحيث، يحال المحقق، الذي فرضت عليه مهمة البحث والتقصي إلى تقرير أي الروايات هي الأصح، رواية المرأة، أم رواية الرجل.

إن هذا الصراع لا يظل على نسق واحد، طوال فترة الأزمة التي يعيشها أبطال العمل، فالصراع الذي ينتقل عبر مراحل مختلفة وصولًا إلى صراع سردية يتخذ أشكالًا مختلفة، يجري أحيانًا تأجيله إلى مرحلة لاحقة تبعًا للظروف التي يمر بها أفراد الفريق، إلا أن العمل في النهاية يصل إلى مرحلة حاسمة، يتوجب فيها إنهاء هذا الصراع، وهنا لا يبدو العامل البدني أو الفكري هو الحاسم، مع انتقال الاشتباك من عراك بالأيدي وتلويح بالسلاح، إلى مهمة صياغة تفسير منطقي ومبرر للأحداث، فيغلب في النهاية صاحب الموقف الروائي الأقوى، وسط انهيار في السردية المضادة.

خاتمة ملتبسة

يصل العمل إلى نهايته مع تكشف العديد من الحقائق، فالعمل برمته قائم على البحث عن الحقيقة، إلا أن هذه الحقيقة ظلت ملتبسة، وتناقض مجرى الأحداث، يبدو أن صناع العمل قد اجترحوا هذه الخاتمة، كي يتم استحداث أجزاء لاحقة للمسلسل في ظل بقاء بعض الأسئلة معلقة دون إجابة في ذهن المتابع، فهل تقصد السيناريو إحداث اللبس في هذه الحكاية القادمة من الجليد، كي يقرر المشاهد نهاية منطقية ترضي ما فهمه عن المسلسل؟ أم أن هذه الحلقات لها تتمة في عمل قادم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد