ربما ترامت إلى أذنيك بعض الكلمات التي ذكرتك بعزيز عليك لم تره منذ زمن، فأسعدتك أو هيأت لك موقفًا آلمك شوقًا له، ربما تذوقت شيئًا ما فأعادك لسنوات خلت!، أو شممت رائحة ما ففاضت عبرات عينيك أو انتفض جسدك!، كل هذا بسبب الذاكرة. لكننا إن سألنا أنفسنا أين الذاكرة؟ فسيجيب أحدهم: بالرأس طبعًا، حسنا تلك هي الذاكرة العامة. لكن أهناك ذاكرات فرعية يجب أن نعلم عنها؟

وقد كنت أتساءل دائمًا خلال ترجمتي لبعض المقالات الخاصة بزراعة الأعضاء عن إمكانية أن يحتفظ الكبد مثلا بعاداته القديمة إذا تم نقله من شخص لآخر؟ وعزز ذلك المفهوم سؤال أحد المرضى المقبلين على ترجمة تقارير الزراعة يوما قائلاً: هل مذكور بالتقرير اسم المتبرع؟ فكان الجواب لا. ولكني بادرته سائلاً: لم تسأل عن هذا رغم علمك بأن المستشفيات التي تقوم بهذه العمليات تقوم بإبهام هذا الجزء تمامًا حفاظًا للمصالح القانونية؟ فقال مجيبًا: لم أكن أريد أن أسأل فأنا أعلم بالقوانين من قبل العملية، لكني أشعر ببعض التغيرات التي طرأت علي بعد العملية، كالرغبة في تناول بعض الأشياء التي لم أكن أحبها مطلقًا، كلحم «الخنزير» مثلاً. كما أنه أصبح لجسدي رائحة لا أحبها بعد الاستشفاء من عملية زراعة الكبد تلك.

فقررت البحث عن بيان الصلة بين نقل الأعضاء والتغير المفاجئ الحادث بعد العملية، وأنا بدوري قررت البحث عن بعض المشابهات بيت حالة هذا المريض وغيرها من الحالات بداعي الفضول والتعلم، فهل يكمن أن تنقل أجهزة الجسد أسرار الجسد لجسد آخر بعد الزراعة؟، أسئلة كثيرة ربما كان المحفز فيها هو ماهية انتقال الذكريات، فعرفت أنه من المحتمل أن لكل عضو من الأعضاء ذاكرته الخاصة كلٌ على حدة. منها على سبيل المثال، ذاكرة القلب، ومع هذا الكم الهائل من عمليات زراعة القلب التي تتم كل عام، والتي قد تصل لـ5000 حالة، اعتقد بعض العلماء أنه بعد القيام بزراعة القلب ظهرت على المتلقي علامات اكتساب ذاكرة جديدة وما يشملها من عادات وتفضيلات تعود للمتبرع. وقد تجاوزت نسبة من ظهرت عليهم تلك الأعراض لـ 34٪ ممن خضعوا لعمليات الزراعة. وهذه نسبة ليست بضئيلة على الإطلاق.

كما تنص نظرية الذكريات الخلوية على أن الذكريات وسمات الشخصية، لا يتم تخزينها فقط في الدماغ ولكن يمكن أيضًا تخزينها في أعضاء مثل القلب. وفي عام 2009م عَرّفت كلية الطب بجامعة هارفارد الذكريات الخلوية بأنها «استجابة خلوية مستدامة للتحفيز العابر» في الأساس، وعندما يتم إدخال الخلية إلى محفز معين فإنها تتفاعل بطريقة معينة. وفي كل مرة يتم فيها إعطاء هذا المحفز سيكون لها نفس الاستجابة. أفضل طريقة لفهم الذكريات الخلوية هي دراسة حالات زراعة الأعضاء.

ومن أهم تلك الحالات التي تمت دراستها كانت لفتاة تبلغ من العمر ثماني سنوات تلقت قلبًا لفتاة تبلغ من العمر 10 سنوات. لكن بعد الاستشفاء من عمليتها، بدأت تعاني من كوابيس يومية في هيئة رجل يحاول قتلها. كانت أحلامها حية لدرجة أنها ذهبت إلى أحد الأطباء النفسيين الذي اعتقد بالفعل أن كل أحلامها حقيقية. وبالبحث قد وجد أن المتبرعة قد تعرضت للقتل، وأن المتلقية التي كانت تعاني من الكوابيس قد استطاعت وصف الرجل بالتفصيل، بحيث تمكنت الشرطة من العثور على القاتل وأدين بالقتل.

ولكن أشهر تلك حالات انتقال الذكريات بزراعة الأعضاء تعود لسيدة أربعينية تدعى كلير سيلفيا. ففي عام 1988م، توفي مراهق يبلغ من العمر 18 عامًا نتيجة حادث دراجة نارية، وتم التبرع بأعضائه التي أُرسلت إلى مستشفى ييل نيو هيفن التي كانت تقبع بها تلك المُعلمة صاحبة الـ 47 عامًا بانتظار عملية زراعة قلب ورئة بشكل كامل، والتي كانت تعد الأولى من نوعها في نيو إنغلاند. الغريب أنها لما سُئلت بعد العملية عن أكثر شيء تحب أن تفعله بعد الاستشفاء قالت: شرب البيرة. لكن الصدمة كانت أنها لم تشرب البيرة من قبل، فأصرت على معرفة المتبرع.

ليتبين لها أنها تحب البيرة والدجاج المقلي كما كان يفعل المتبرع قبل أن يموت، حتى أنه توفي وبيده وجبة دجاج مقلي. ثم أصبحت بعد ذلك ترى أحلامًا بها الحروف الأولى من اسم المتبرع والذي لم تكن تعرف عنه شيئًا بعد. ثم تبين لها أنها اكتسبت العديد من عادات وصفات الشاب المتبرع، فشجعها ذلك على كتابة كتابها عام 1977م بعنوان «تبادل قلب» لتروي به قصتها الغريبة.

وكما يقول ريفيس بيل أنه وبعد تلقيه لعملية زراعة كبد في 2013م بشهر واحد شعر برغبة غير طبيعية في الرسم وهو الأمر الذي لم يقم به أبدًا في حياته. فتبين له أن المتبرع كانت سيدة تبلغ من العمر ٥٤ عامًا، لكنه لم يعرف أكثر من ذلك عن حياتها، أما هو فقد أصبح الآن فنانًا وله مُتابعين دائمين، وإليكم بعضا من أعماله في المصادر.

ويبدو هناك بعض النظريات المختلفة حول كيفية عمل الذكريات الخلوية حتى الآن ولكنه لا يوجد دليل علمي قوي على عملية الذكريات الخلوية. وبينما يتم إجراء الكثير من البحوث اليوم مع تفاعل الدماغ وأعضاء الجسم فإننا أصبحنا نعرف الكثير عن فيزياء الكم أكثر مما سبق، لكننا ما زلنا نجهل كيف تتفاعل الذرات. ولا يزال اللغز غامضًا مبهمًا مخفيًا حتى اليوم، ولكن من المهم أن نحتفظ بهذا السر في رؤوسنا أو قلوبنا لنقف على حقيقته عندما يحين وقت معرفته، ولكني لا أري أي عجب في ذلك، فرغم اقتطاع جزء من إنسان ولصقه بإنسان آخر ما الذي يمنع أن يحتفظ هذا الجزء بوقائع لمالكه الأول، ما الذي يمنع من تعلقه بالذكريات والعادات التي اعتادها يوميًا؟ أليس القلب هو ماكينة الدم التي تضخ ذلك السائل الذي إن وضع في إنسان آخر كان سببًا في إحيائه؟

فأحيانًا حتى وإن كان القلب في جسد صاحبه الأول، لا ينفك يذكره بأمور من سنوات خلت دون أي داعٍ أو تفكر،

هذا لأنه للقلب أهمية ووظائف أخرى غير ضخ الدم نهملها أو نجهلها ونتجاهلها في كثير من الأحيان، فلو سألنا أنفسنا سؤالاً بسيطًا يقول: ما هي الأداة التي نرى بها العالم؟

فسيجيب الكل العين بكل تأكيد، وهي في حد ذاتها إجابة صحيحة لكنها تبقى إجابة نظرية فقط مجردة من أي تفكير.

لماذا؟

دعنا قبل الإجابة نسأل أنفسنا بعض الأسئلة في عجالة:

_ لو أن طفلاً لأحدنا مريض ونحمله إلى المشفى، هل يكون تركيزنا منصبًا على الطريق الذي نسير عليه أو حتى نتذكر من أين مررنا؟ أو بمن مررنا؟

_ لو لا قدر الله كنت مهمومًا ومكتئبًا في وقت من الأوقات ووجب تناول الطعام، فهل معنى ذلك أنك تتذكر طعم ما تناولت؟ هذا إن أكلت من الأساس؟!

_ لو أن اثنان من الأحبة يجلسان في جلسة شاعرية ممسكان بأيادي بعضهما البعض يحاولون أن يستشعروا لحظة الهيام، مصحوبًا ذلك بموسيقى في الخلفية وعواصف وأمطار خارج الباب. فهل سيسمعان الموسيقى أو سيلفت انتباههما صوت المطر؟

الإجابة: لا!

فهذا يعني أنه رغم وجود العين، فهناك شيء آخر يطغى على كل ما عداه من أجهزة، حال بين الإنسان وبين رؤية الطريق، وسماع الموسيقى بل وحتى تذوق الطعام. شيء يدعى «القلب». لا يرى إلا ما يتعلق به.

فكلنا نمر بتلك الأوقات التى نهمله وننساه فيها، بل وننسيه الفِطرة الربانية التي خلقه الله عليها ونحاول تعليمه القسوة حتى يتعودها، ومن ثم نرى حيواتنا تنهار وعلاقاتنا تفسد معتقدين أننا لسنا السبب.

لكن لو أننا اهتممنا بوجوده وراعينا ما يمر عليه سنبدأ في رؤية الأمور من زاوية مختلفة وبرؤية أوضح تساعدنا أن ندرك رحمة الله بنا ونشعر أننا نحيا حياة يملؤها الحب والفرح.

كان ابن الفارض يقول: أضيئوا بالحُب قلوبكم، إن القلوب حين تُحب تُضاء، وهذا كفيل بأن يحافظ على كل علاقاتنا.

حتى إن العمى ورد في القرآن الكريم مُتعلق بالقلب وليس بالعين، فقال تعالى: «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» الحج 46.

وأخيراً ربما يجب أن نتفكر في لو أنه ليست للأعضاء ذاكرة فكيف ستنطق الجلود والألسنة والأيادي والأرجل شاهدة على أصحابها يوم القيامة

وكل هذا موضح في قوله تعالى” يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) النور

وقوله تعالى: “وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) فصلت

فيبدو أنه للجسد ككل ذاكرة مرجعية هدفها الشهادة على الإنسان يوم العرض. وذاكرة خلوية بالأعضاء تشهد هي الأخرى بدورها حتى وإن منعها العقل أو أبى أو تمنعت عنها الألسنة.

أما ما نتذكر في حيواتنا من أحداث فهي تخص الذاكرة العامة قصيرة الأمد والله أعلم

ربما آن الأوان أن ننطر للأمور بنظرة مختلفة مهما كانت مُفرحة أو محزنة وسنرتاح جدًا وربما نقف على بعض من آيات وحكمته. لا تقبل بالإجابات الظاهرية، انظر بعمق، انظر بحُب، انظر بعينك الثالثة واهتم بها، ربما إن أيقنا فعلاً أننا لا نعلم سنبدأ في التعلم.. دُمتم في نعيم اللّه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القلب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد