انتهى أحد الأصدقاء الأعزاء من كتابة روايته الجديدة، والتي تحمل عنوان “قلب السمكة”، وللعلم هي رواية قصيرة.

رواية أعتقد أنها ستلخص حال الوطن. الحقيقة أني لم أنل شرف قراءتها حتى الآن فهي لم تزل بين جدران وآلات المطبعة، كما أنه لم يصادفني الحظ أن أقرأها من مصدرها مباشرةً نظرًا لكونه بعيدًا عني. على كُلٍّ، فإنها ستصبح بالأسواق قريبًا وحينها سأنال أملي بقراءتها.

صديقي هذا كتب من قبل روايتين نشرتا بالفعل، ولكني أتوقع أن هذه الرواية الجديدة مختلفة تمام الاختلاف عن سابقتيها، فهي رواية كسرت القضبان وتخطت الجدران فنجاحها كتب لها حتى قبل أن تنشر، فليس كل شيء يقاس بمقابله المادي.

 

الحقيقة أن الأهم من الرواية هو كاتبها الذي استطاع أن يقهر ظلمات السجن، وأن يرسم البسمات على وجوه كل من تابع زيارات أهله له، بسمات تتسلل إلى وجهك دون قصد عندما ترى مدى تمكنه من فن الأوريجامي، ذلك الفن الياباني لطي الورق الملون، وعمل الأشكال به، والأجمل أن تعرف أنه علم هذا الفن لزملائه في الزنزانة، فنراه يقوم بدور الأستاذ ويعدل الأشكال التي تأتي إليه من تلامذته الجدد، ويعلمهم من أخطائهم.

الغريب أنه هو السجين الذي من المفترض أن يكون مقيد الحرية، ومن فرط تجاوزه لقضبان سجنه وسجانيه أشعر وكأننا نحن المقيدة حريتنا وليس هو، فلا يترك مناسبة حتى يقوم بتهنئتنا بأشكاله الجميلة، والتي كان آخرها سانتا كلوز في رأس السنة الميلادية، فبرغم سجنه إلا أنه يشع طاقة إيجابية تضيء سجنه، وتصيب كل من يعرفه سواء كان من قرب أو من بعد.

 

عمر حاذق ذلك الشاعر السكندري الشاب الحاصل على العديد من الجوائز المحلية والدولية، والحاصل أيضًا على درع أمير الرومانسية في المسابقة الشعرية الشهيرة “أمير الشعراء”، حكم عليه بالسجن لمدة سنتين مع النفاذ وغرامة تقدر بمبلغ خمسون ألف جنيه نتيجة لمشاركته في وقفة احتجاجية ضد قتلة خالد سعيد أثناء إحدى جلسات نظر القضية في ديسمبر 2013.

 

عمر طُبق عليه كالكثير من إخوتنا وآبائنا هذا القانون المقيد للحريات، والمعروف بقانون التظاهر، سُجن عمر وسُلبت منه حريته ولكن كلماته ورسائله تخطت كل الحدود، فمن السهل أن تسجن الدول الأجساد، ولكنها أبدًا لم ولن تستطع أن تسجن الفكر، فهو أمر مجرد خارج نطاق المادة، ولا يستطيع أحد كان على الإطلاق أن يقيده.

نقلت آخر رسائل عمر معاناته هو وجميع زملائه خلف القضبان في بداية سجنه، وكيف كان يكتب روايته وسط الظلمة الموحشة، وكيف ساعده أحد أصدقائه في صناعة “لمبة” بدائية الصنع مؤلفة من الزيت وقشر البرتقال وقعر زجاجة مياة معدنية وبعض المناديل، وكيف استطاع أن يحول كل ذلك ويصاحب سجنه ويتواصل مع العالم من خلال أسرته، وكيف تلقى العديد من الهدايا والرسائل من أناس لم يعرفهم من قبل، عمر لم يستطع أن يتخطى حاجز القضبان فحسب، بل إنه تخطى حاجز الحدود أيضًا؛ ففي آخر زيارة لأسرته تلقى عمر هدية من سيدة مصرية مقيمة بالدنمارك، وكانت هديتها له “شجرة كريسماس ورقية”.

عمر في نظر هذا المجتمع سجين، ولكنه في الحقيقة حر في وطن السجناء، نعم كلنا سجناء وهو ومن وضعوا ظلمًا وعدوانًا خلف القضبان أحرار، أنا لم أعرف عمر معرفة شخصية، ولم أرسل إليه خطابًا من قبل، ولكن إليه أقول أن المقيدين حريتهم هم نحن أما أنت فلا، دمُت حرًّا يا صديقي.

(بسام محمد، محمد أسامة، أحمد أيمن، عمر حاذق) والكثير الكثير، مئات بل آلاف من المعتقلين بسبب عدوان الدولة على الحريات، بسبب أن الدولة وحكامها ومسئوليها لا يريدون إلا أن يسمعوا كلمتي حاضر ونعم، الحقيقة أنهم ليسوا سجناء فهم من يمثلوا أحرار هذا الزمان، فالسجين الحقيقي هو ساجنهم ومغتصب حريتهم المادية، وليسوا هم.

وأخيرًا أقول لكم سيسقط قانونهم هذا يومًا ما، وسيذهبون معه إلى مكان يناسب أمثالهم جيدًا، سبقهم إليه الكثير والكثير من جبابرة التاريخ. إذا لم نستطع أن نثأر لحقهم وحقنا هنا سنلتقي هناك ونقتص، حيث لا ظلم ولا عدوان ولا أهواء ولا مرضى نفسيين يحكمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد