كنت أتناقش مع بعض الشباب المقبل على العشرينات، بما فيهم من تفجر للأفكار والأسئلة، التي تسير وتسبح على بحر من الخيال والسطحية والأمية المعرفية، في كل شيء.

طاف بنا النقاش والحديث، حتى وصلنا قبالة ساحل الجن، حينها قال لي أحد الشباب:

كيف تؤمن بوجود الجن وأنت لم تره، وكيف تؤمن بشيء مثل الإسراء والمعراج؟!

قلت له: كما تؤمن أنت بالميكروبات ولم ترها يومًا!

سكتوا ولم يردوا، فأدركت وقتها أن شبهتهم عاطفية، مغلفة بكثير من الغضب؛ فاستدركت عليهم قائلًا: ألن يقول واحد منكم: لكن غيرنا رآها بالميكروسكوب، وأصبحت من مُسلمات العصر والمنطق؟!

فتعجبوا من استدراكي وقالوا: نعم، صحيح.

قلت: قبل الميكروسكوب، هل كنا نرى الميكروبات، أو نعلم بشأنها؟

قالوا: لا لم نكن نعلم.

قلت: وماذا لو أخبركم عنها شخص كانت له قدرة بصرية غريبة يمكنه بها رؤية مثل هذه الأشياء، وكان معلوم عنه الصدق، ولم يكن مجنون، هل كنتم ستصدقونه؟!

قال بعضهم: ربما نعم.

وقال البعض الآخر: في الحقيقة لم نكن لنصدقه.

قلت: إذًا فنحن قبل الرؤية العلمية، والإمكانات المادية التي مكنتنا من رؤية الميكروبات، كنا عاجزين تمامًا عن رؤيتها والإيمان بها رغم وجودها؟!

قالوا: نعم، هذا صحيح.

قلت كذلك الجن: نحن عاجزون علميًّا عن رؤيتهم، كما كنا عاجزين عن رؤية الميكروبات من قبل، وليس معنى أننا وجدنا وسيلة بعد آلاف السنين تمكننا من رؤية أجسام لم تفارقنا منذ أن وجدنا على الأرض، أنه قد صار بإمكاننا رؤية كل غامض وكل خفي.

فلا أدري متى سمينا العجز قدرة، ومتى جعلنا العجز دليلًا على القدرة، ومتى جعلنا الإنكار دليلًا على عدم الوجود، رغم أن التاريخ والتجارب أثبتت لنا عكس ذلك تمامًا؟!

ثم قلت لهم: هل كنا نفكر بالطيران قبل أن يفعلها عباس بن فرناس؟!

قالوا: نعم كنا نفكر ونحلم.

قلت: وما الذي كان يمنعنا من الفعل؟

قالوا: عدم قدرتنا على امتلاك أدوات الطيران وقتها.

قلت: فماذا لو أخبرنا شخص ما بأنه قادر على الطيران، وقدم لنا دليلًا على قيامه برحلة جوية من قبرص إلى غانا، هل كنا نصدقه؟

هنا أيضًا قال البعض: نعم، وقال البعض الآخر: هذا يعتمد على الدليل الذي سيقدمه.

ثم أردفوا: لكن استخدامك هذا الدليل «فج» يا باشمهندس، فليس لأحد من بني البشر القدرة على الطيران أبدًا، ومحاولة إسقاطك هذا على كون الإسراء والمعراج رحلة صحيحة، مجازفة، ودليل على الحجة الضعيفة.

قلت: وهل لأحد من بني البشر القدرة على حفظ ألف كتاب، أو القدرة على حساب مئات العمليات الحسابية المعقدة في دقائق بسيطة ومسابقة الآلة الحاسبة، أو التحدث بلغات مختلفة بشكل صحيح وسليم كأصحابها من دون معلم؟

قالوا: لا بالطبع هذا غير موجود.

قلت بل بعضه موجود؟

قالوا: من؟

قلت Scott Flansburg يحسب العمليات المعقدة في ثوانٍ معدودة، وKim Peek كان بارعًا في 15 فرعًا من فروع العلوم، ويحفظ على الأقل 12 ألف كتاب عن ظهر قلب، وهناك بعض البشر لديهم قدرات خارقة في التحكم الجسدي، والقدرات السمعية، أو البصرية ليست لغيرهم على وجه الأرض.

قالوا: هؤلاء نوادر، والنادر لا يقاس عليه.

قلت: فلماذا لم تستسيغوا نادرًا جديدًا يفوق هذه النوادر في القدرات، طالما كانت هذه النوادر ممكنة، فحدوث النادر مرتين، يعني إمكانية حدوثه مرة ثالثة في الباب نفسه، أو في باب جديد، أليس كذلك؟

وهل يمكن حصر النوادر أو الخوارق في قدرة دون أخرى، أو في شخص دون آخر، طالما أُثبت التعدد في أكثر من باب، ولأكثر من شخص؟

وهل يمكن نفي الخوارق، بعدما أُثبتت؟

ثم قولوا لي: ماذا لو قلت لكم بأنني لا أصدق أن البشر يمكنهم اليوم الصعود إلى القمر، أو بث مباراة تحدث في إسبانيا إلى الناس في مصر؟!

قالوا: لا تؤاخذنا، سنقول إنه قد أصاب عقلك شيء بالتأكيد.

قلت: فماذا لو قلت ذات العبارة قبل ألف عام، في مجلس أجتمع فيه معكم؟!

قالوا: بالطبع ما كنا لنعلق، فهذا وقتها أمر بديهي.

قلت: وما الذي جعله بديهيًّا حينها، مقطوعًا بصحته؟

قالوا: عدم قدرتنا على الوصول إلى القمر بالطبع، وانعدام الوسيلة لذلك.

قلت: فهل نحن اليوم نستطيع؟

قالوا: بالطبع.

قلت: لماذا؟

قالوا: لأننا امتلكنا القدرة والوسيلة على فعل ذلك.

قلت: هل صانع المركبات الفضائية التي أوصلتنا إلى القمر لديه القدرة في المستقبل على صناعة مركبات أسرع وأحدث وأقوى؟

قالوا: بالطبع، فالمركبات التي صعدت عام 1961 لا تضاهي تلك المصنوعة اليوم قدرة وتطورًا.

قلت: فلماذا تنكرون إذًا على خالق الكون والبحار والأنهار؛ بل خالق هذا الإنسان بكل تفاصيله المعقدة للغاية، والذي خلق مخلوقات لها قدرات متفاوتة وعجيبة على الطيران، من أن يكون لديه مخلوق يُسمى «البراق» له قدرة على حمل البشر إلى السماء؟

وكيف تقبلون أن يكون المخلوق أكثر قدرة وتطورًا من الخالق؟

إنكم ما زلتم تقومون بدور «الكنيسة» في مواجهة «جاليليو»، لكن بكلمات مرصعة بالمصطلحات العلمية وأسماء العلماء.

وأعجب من قدرة البعض على جعل الجهل علمًا والعجز قدرة! فبمجرد عجز البعض عن التفسير، ينفي الحدث! وبمجرد عجز البعض عن القيام بالشيء، ينفي إمكانية حدوثه طالما لم يقم به هو، وهذه مجازفة لا تتفرع إلا من غرور وكبر.

والبعض يظن أنه يتحدث بطريقة علمية، ويحدث الناس بأنه لا يمكنه الإيمان إلا بما يثبته العلم، رغم أن العلم كان عاجزًا من قبل، وما يزال اليوم عاجزًا عن تفسير بعض الظواهر البشرية والطبيعية، رغم أبحاثه ودقة التطور التي وصل إليها اليوم، فكيف يكون العاجز مقياسًا على الكمال؟!

وهل هذا العاجز المحتاج إلى التطور الدائم والخبرات المتراكمة ليتطور لديه الجرأة للحكم على الأشياء حكمًا باتًا، فيكون هو مصدر الإيمان والكفر، فما يؤمن به نؤمن، وما يكفر به نكفر، رغم عجزه الذي ما زال يتعثر فيه لليوم في كثير من الأبواب؟!

ولن تصير صاحب حجة ومنطق بمجرد انتشار العلم في بيئتك، أو بتردده في محيطك لعشرات السنين، ولن تصير من أهل المعرفة لمجرد معرفتك بأصحاب العلوم وأقوالهم؛ بل بفهم ما يحدثونك عنه، والقدرة على تحليله، والنقاش حوله نقاشًا علميًّا صحيحًا.

وبعض الذين يريدون منا «عبادة العلم وحده لا شريك له»، ما زال كثير منهم إلى اليوم يردد أقوالًا عن «الذرة»، ولا يدرون بعد 50 عامًا من الترديد عن ماهية هذا الأمر شيئًا، ولا مما تتركب! كمن يحاول إقناعك بدستور لم يقرأ فيه حرفًا، أو سمع عن حلاوته من بعض من يحب ويثق!

وهم يخلقون منذ مدة إلهًا اسمه «العلم»، ليواجهوا به ما لم يستطيعوا تفسيره مع «ربهم السابق»، فيقبلون عجز «الإله العلم»، ويستسيغون أن يخطئ «الرب الخالق» الذي كانوا يعبدون، أو ربما ينفون وجوده بالكلية لما عجزوا عن تفسير بعض أفعاله، ولا يقبلون أو يستسيغون في المقابل «عجز عقولهم» عن التفسير والنظر حتى صاروا هم «آلة» تتحصن في «إله وهمي اسمه العلم»!

ويخوضون مع ذلك «الإله العاجز»، معارك طاحنة لإثبات صحة ما لا يستطيعون فهمه ولا تفسيره عند «الإله العليم»، الذي خفت بعض قدرته عنهم وعن مداركهم، أو لم يستسيغوها!

ورغم أن «الرب الجديد» عجز عن كثير من التفسيرات؛ بل فسرها في كثير من الأوقات بشكل خاطئ تمامًا، وهو لليوم لا يمكن أن يُبنى على إثباتاته حقائق ثابتة، لتغيره المستمر في الحكم والإثبات؛ لكنهم لا يكفرون به أبدًا، ولا نريدهم أن يفعلوا؛ بل نريدهم أن يفهموا أن العجز ليس دليلًا على القدرة، وأن الجهل لم يكن يومًا دليلًا على الفهم. وأن يفهموا أن العلم وسيلة للفهم، وليس إلهًا له القدرة المطلقة على النفي والإثبات، وأن الإنسان الذي يعجز أن يضاهي أو يُجاري أو يقترب من قدرات بعض الحيوانات الذهنية والعصبية والحسية، لا يمكنه أن يكون الحاكم المُثبِت للموجود واللا موجود؛ بل دوره البحث والنظر، وليس إنكار الغيب لمجرد أنه غاب عن عينيه وحواسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد