كنت في المقال السابق قد طرحت أربع نقاط تبيّن تصوري لما تم في المدرسة النجدية من تبنٍّ متدرج لتراث ابن تيمية، ابتداءً باقتباس يسير على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أدى إلى تبني أتباعه من بعده لكل تراث ابن تيمية، ورفعوه على أسنة الرماح وهم في الحقيقة أتباع شيخهم ونهجه، ولا علاقة لمدرستهم بنهج ابن تيمية ولا بفلسفته، وكل ما في الأمر أنها بروباغندا موجّهة لكسب التأييد، وعليه أواصل!

خامسًا:

إزاء ما بسطته سابقًا من وصف انتشار المظاهر المخالفة للعقيدة في زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب من انكباب العامة على القبور تقديسًا وتبركًا ونذرًا، وبناء القباب عليها وتعظيمها وقصدها لقضاء الحاجات، وتقديس الأشجار والأحجار وما إليه مما اعتقدت فيه العامة. فقد انطلق الشيخ في محاربة هذا الوضع مع رأي متشدد ذكره في رسالته (كشف الشبهات): إن الذين قاتلهم رسول الله – عليه الصلاة والسلام – أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء.

ولا يخفى على أحد التشدد في نظرة الشيخ لأهل بلده، وقد تأثر تلامذته وأتباعه بذلك فنجد المبالغة والتهويل فيما ذكره تلميذه ابن غنام في تاريخه بقوله: وكان كثير من علماء نجد العدوان، يأتون رؤساء البدوان، ويحذرونهم وقوع الصلاة في حيهم وسماع الأذان، ويحثونهم على التمسك بقبيح تلك الأديان، وما كانوا عليه من الفسق والعصيان.

ولا يستطيع أي عقل استيعاب وتصور أن في أمة محمد من يكون أشد كفرًا من كفار العرب في جاهليتهم، ولا يستطيع أيضًا استيعاب وتصور أن علماء الدين يلغون في وحل النهي عن الصلاة وإقامة الأذان مهما بلغت شدة خصومتهم للشيخ ابن عبد الوهاب!

وقد كان تشدد الشيخ في آرائه جالبًا له رفض أقرب الناس إليه، فكان أول طلبه للعلم دراسة الفقه لوالده الفقيه عبد الوهاب على المذهب الحنبلي وكان عبد الوهاب قاضي العيينة، وأول من أنكر دعوته كان والده! فاضطر الشيخ لتأجيل جهره بالدعوة حتى وفاة والده. وإليك ذكر ابن بشر هذه الحادثة في تاريخه (عنوان المجد): فلما أن الشيخ محمد وصل بلد حريملاء، أخذ يقرأ عليه، وينكر ما يفعل الجهال من البدع والشرك في الأقوال والأفعال، وكثر منه الإنكار لذلك، ولجميع المحظورات، حتى وقع بينه وبين أبيه كلام، وكذلك وقع بينه وبين أناس في البلد، فأقام على ذلك مدة سنين حتى توفي أبوه عبد الوهاب في سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف، ثم أعلن بالدعوة.

ثم تصدى بعد ذلك لدعوة الشيخ أخوه الفقيه قاضي حريملاء سليمان بن عبد الوهاب وألف في الرد عليه كتابه الشهير (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، وقد اتخذ المناوئون للمدرسة النجدية موقف سليمان من أخيه مطعنًا لأفكار المدرسة ونهجها. وهذا ما دفع أتباعها للطعن في صحة نسبة الكتاب لسليمان، وادعائهم أنه منحول عليه بغرض الكيد والرزء بالشيخ. وأشهر الأسباب التي ساقوها للتدليل على ذلك أن عنوان الكتاب لا يمكن أن يطلقه سليمان منسوبًا إلى والده!

وهذا ما أرد عليه من وجهين، الوجه الأول أن الكتاب عبارة عن رسالة مطوّلة أرسلها سليمان إلى حسن بن عيدان، ولما انتشرت هذه الرسالة وذاع أمرها طُبعت بعدة عنواين، منها (فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب) و(وحجة فصل الخطاب في إبطال مذهب محمد بن عبد الوهاب) وعناوين أخرى لكن الكتاب اشتهر بعنوان (الصواعق الإلهية) واستقر عليه.

الوجه الثاني أن تحريض سليمان للناس ضد أخيه باللسان والقلم مثبت في كتب التاريخ، وقد ذكر ذلك ابن بشر – وهو مؤرخ تابع للمدرسة النجدية – في حوادث 1167 هـ بقوله: وفيها قُتل سليمان بن خويطر، وذلك أنه لما قدم بلد حريملاء خفية وهي حرب كتب معه سليمان بن عبد الوهاب إلى أهل العيينة كتابًا، وذكر فيه تشبيهًا على الناس في الدين.

وأكد ذلك المؤرخ الفقيه أحمد بن زين دحلان مفتي الشافعية بمكة، وهو معاصر لمحمد بن عبد الوهاب ولدعوته وشهد حربه لأهل مكة، يقول في كتابه (فتنة الوهابية): وألف العلماء رسائل كثيرة في الرد عليه حتى أخوه الشيخ سليمان وبقية مشائخه.

سادسًا:

التعصب الشديد للشيخ محمد بن عبد الوهاب جعل نهجه على الطرف المناقض لنهج ابن تيمية، وهذا الطابع الذي تطبعت به المدرسة النجدية مع ادعائها أنها تستهدي بنهج ابن تيمية أشان صورة تراث ابن تيمية وألقى عليها بظلال كثيفة من السمعة السيئة التي التصقت بالثورة النجدية! يقول محمود شكري الألوسي في (تاريخ نجد): إلا أن الشيخ محمدًا لم يكن على طريقة أبيه وجده، بل كان شديد التعصب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء.

وما كان من أمر الشيخ أنه شنّ حروبًا كثيرة تحت مسمّى الجهاد ضد المشركين باعتبار أن الناس أشركوا بالله شركًا أكبر، يقول الألوسي: والإنصاف الطريقة الوسطى لا التشديد الذي ذهب إليه علماء نجد وعامتهم من تسميتهم غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل الله، ومنعهم الحج.

وللفقيه القاضي سليمان بن عبد الوهاب ردود قوية على نهج أخيه، نسف بها ادعاءه أنه يحذو حذو ابن تيمية، لنستعرض بعضها لأهميتها، يقول سليمان: فإنّ اليوم ابتُلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة، ويستنبط من علومهما، ولا يبالي من خالفه، وإذا طلبت منه أن يعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه، ومن خالفه فهو عنده كافر، وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال أهل الاجتهاد، ولا والله عُشر واحدة، ومع هذا فراجَ كلامه على كثير من الجهال، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

ويقول: لكن هذه التفاصيل التي تفصلون من عندكم أن من فعل كذا فهو مشرك، وتخرجونه من الإسلام من أين لكم هذا التفصيل؟! استنبطتم ذلك بمفاهيمكم؟! فقد تقدّم لكم من إجماع الأمة أنه لا يجوز لمثلكم الاستنباط، ألكم في ذلك قدوة من إجماع أو تقليد من يجوز تقليده مع أنه لا يجوز للمقلد أن يُكفّر إن لم تجمع الأمة على قول متبوعه.

ويقول: من أين لكم أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا، ونذر له، أو ذبح لغير الله، أو تمسّح بقبر، أو أخذ من ترابه أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله، وحلّ ماله ودمه. فإن قلتم فهمنا ذلك من الكتاب والسنة! قلنا لا عبرة بمفهومكم، ولا يجوز لكم، ولا لمسلم الأخذ بمفهومكم، فإن الأمة مجتمعة أن الاستنباط مرتبة أهل الاجتهاد المطلق، ومع هذا لو اجتمعت شروط الاجتهاد في رجل لم يجب على أحد الأخذ بقوله دون نظر.

ويقول: أما الشرك ففيه أكبر وأصغر، وكبير وأكبر، وفيه ما يخرج من الإسلام، وفيه ما لا يخرج من الإسلام، وهذا كله بإجماع وتفاصيل ما يخرج مما لا يخرج، يحتاج إلى تبيين أئمة أهل الإسلام الذين اجتمعت فيهم شروط الاجتهاد، فإن أجمعوا على أمر لم يسع أحدًا الخروج عنه، وإن اختلفوا فالأمر واسع.

ويقول: وإن قلتم أخذنا ذلك من كلام بعض أهل العلم كابن تيمية وابن القيم لأنهم سموا ذلك شركًا. قلنا هذا حق ونوافقكم على تقليد الشيخين أن هذا شرك، ولكن هم لم يقولوا كما قلتم أن هذا شرك أكبر يخرج من الإسلام، وتجري على كل بلد هذا فيها أحكام أهل الردة، بل من لم يكفرهم عندكم فهو كافر تجري عليه أحكام الردة! ولكنهم – رحمهم الله – ذكروا أن هذا شرك وشدّدوا فيه، ونهوا عنه، ولكن ما قالوا كما قلتم، ولا عُشر معشاره، ولكنكم أخذتم من قولهم ما جاز لكم دون غيره، بل إن في كلامهم ما يدل على أن هذه الأفاعيل شرك أصغر.

ويقول: أعظم من رأينا مشددًا في هذه الأمور التي تكفرون بها الأمة النذور، وما عليه ابن تيمية وابن القيم وهما قد صرّحا في كلامهما تصريحًا واضحًا أن هذا ليس من الشرك الذي ينقل من الملة، وأن من هذه الأمة من فعله، وعاند فيه، ومع هذا لم يكفروه.

سابعًا:

ابن تيمية الذي تدعي المدرسة النجدية سيرها على نهجه صاحب صولات وجولات في الذب عن الدين بما شهد له به القاصي والداني، وذلك بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وشرّع في ميدان المناظرة والمحاججة ما لم يسبقه إليه أحد، فناظر أهل الملل والنحل – على كثرتها – وسطّر المصنفات المبهرة في الردود عليهم صادرًا عن علم راسخ وأدوات اجتهاد أنعم الله عليه بها، فقطع دابر كل مخالف معترض، ورفع راية التوحيد خفاقةً ترفرف فوق أرض كانت قبل ثورته أرض زيف، فجدّد الله به في الأمة ما قارب على الاندثار من مظاهر الدين، فلله دره!

ولمّا انصبّتْ جيوش التتار على المسلمين كالرمال، أفتى بأن الجهاد قد وجب وتعيّن في الحال، واستنهض الهمم لاقتحام لجة القتال، وبشّر المسلمين بحسن النوال. ولمّا صادم في عكا أهل الصليب والضلال، قصف بسيفه صناديد الأبطال، وصال وجال في ميدان النزال، كأنه صخرٌ قُدّ من الجبال، فلله دره!

ولمن يراني قد بالغت في وصف بطولة ابن تيمية في الجهاد ضد التتار والصليبيين، فإليه توثيق الحافظ أبي حفص عمر بن علي البزار، الذي التقى ابن تيمية وترجم سيرته في (الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية) حيث قال فيها: كان إذا ركب الخيل يتحنّك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرًا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجلٍ لا يخشى الموت. وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره!

لكنه لم يرفع سيفه في وجه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، مهما كان اعتقاده مخالفًا لصحيح العقيدة، فهل هذا النهج يشبه نهج محمد بن عبد الوهاب الذي حارب أهل بلاده بما فيها بلاد الحرمين؟!

وأزيد من الشعر بيتًا عن الإمام المجاهد ابن تيمية، وهو أن له مصنفًا اسمه (قاعدة مختصرة في قتال الكفار ومهادنتهم، وتحريم قتلهم لمجرد كفرهم) ومن العنوان يتضح مضمونه ومحتواه، حتى الكفار أفتى ابن تيمية بتحريم قتالهم إلا في حالة عدوانهم على المسلمين فيما اصطلح عليه بجهاد دفع الصائل. هل هذا النهج له علاقة بحروب محمد بن عبد الوهاب التي استحلّ بها دماء المسلمين وملأ داره بأموالهم التي عدّها غنائم الجهاد؟!

وبالله عليك، دعني أحكِ لك طرفة ستجعلك تستلقي على ظهرك من الضحك، أو تفرك عينيك وأنت لا تصدق ما جاء فيها. وجدتها في كتاب ابن تيمية الذي أشرت إليه سابقًا (قاعدة مختصرة في قتال الكفار)، في نسخته الموجودة عندي التي حققها ودرسها دراسة مقارنة – هذا المكتوب على غلافها – د. عبد العزيز بن عبد الله آل حمد المنتمي للمدرسة النجدية، وسطّر في تقديمه للكتاب: هذه الدراسة أبلغ رد على من يتهم دعوة شيخ الإسلام أو دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية بالدعوة إلى الإرهاب أو الحض عليه، وما عقيدة وثقافة ابن عبد الوهاب إلا صورة أخرى لعقيدة وثقافة ابن تيمية، يعرف ذلك كل من له أدنى علم وفهم.

أي علم وفهم يعنيهما الدكتور بهذه الطرفة؟! هذه بروباغندا وقرع طبول وعزف مزامير! لا علاقة لمثل هذه الأحكام بأي منهج علمي تحليلي استقصائي يقارب النصوص ويقارن التطبيقات! ما أشبه الدكتور وهو المحقق والدارس لتراث ابن تيمية بعائدٍ من البحر وليس في شباكه سوى الرياح وبقايا الزبد! وعمومًا فهذا الوهم المتخيّل في ذهنه وفي أذهان أتباع مدرسة نجد، سأطحنه وأذروه لرياح الدكتور، فأما الزبد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض!

وأضع القلم عند هذا الحد، وأواصل في مقال قادم – بإذن الله – فهذا المقال والمقال السابق كانا مقدمة ولم أصل بعد إلى أحداث حروب محمد بن عبد الوهاب وأحلافه السياسية، ومفرزات ونتائج مدرسته وغير ذلك، وكل هذا في المقالات القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رسالة كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب
كتاب عنوان المجد لابن بشر
كتاب الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية لسليمان بن عبد الوهاب
كتاب تاريخ نجد لمحمود شكري الألوسي
كتاب قاعدة مختصرة في قتال الكفار لابن تيمية تحقيق د. عبد العزيز بن عبد الله آل حمد
كتاب فتنة الوهابية لأحمد بن زين بن أحمد دحلان
كتاب الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية للحافظ أبي حفص عمر بن علي البزار
عرض التعليقات
تحميل المزيد