منذ زمن بعيد كان سحر الشخصية التاريخية يطغى على ما عداه من فعل القوى الاجتماعية التي تحدد في الحقيقة مجرى التاريخ وتوجه مساره، والتي تضفي على الشخصية التاريخية بهاءها، وهذا ما حمل «تشارلز تيلور» أستاذ الفلسفة جامعة مكغيل على القول بأن تاريخ أوروبا يمكن كتابته بالتحدث عن نابليون وبسمارك ولينين، وكذلك «توماس كارليل» صاحب كتاب «الأبطال وعبادة البطولة» الذي لا يرى في التاريخ إلا سيرة لعظماء
الرجال وما أنجزوه، وأن كل ما تم في العالم هو الحصيلة المادية لأفكار عاشت في عقول هؤلاء العظماء. ولو أن كارليل قد أطلق مفهوم البطولة من إطارها حتى لا تقتصر على الحرب والسياسة فقط، إلا أنه لا يقبل القول بأن البطل ابن عصره، ووليد مجتمعه، لا يتعدى الظاهرة الاجتماعية، مؤكدًا أن هناك عصورًا كانت تنادي بالعظماء ولكنها لم تبعث بالبطل والزعيم.

متناسيان أن كل من هؤلاء العظماء يمثل في ذاته ظاهرة اجتماعية شملت أحداث عصور متباينة، وأن كلًّا منهم كان يمثل مرحلة من مراحل التطور الفكري للقوى الاجتماعية في عصره. لكن أفكار كل من تيلور وكارليل جاءت مناهضة للروح التقدمية التي سادت أوروبا منذ بدايات القرن الثامن عشر، ولم تقابل نظريتهما باستحسان داخل المجتمعات الأوروبية؛ بعد أن وقفت تلك المجتمعات الديمقراطية من نظرية البطولة موقفًا فيه الكثير من التشكك والحذر، نظرًا إلى خطورة أن يصبح مصير الأمم مُعلقًا في قرار يصدره فرد واحد، وما يتبع ذلك من إضعاف المؤسسات الديمقراطية، والتحكم في وسائل الإعلام باسم الزعامة وتسخيرها للسيطرة على التصور الجمعي للجماهير، وهو الطريق الممهد إلى السلطة بمفهوم الديكتاتورية.

بعدما انتشرت أفكار فولتير في عموم أوروبا تدعو للتحرر من سطوة الفرد على التاريخ. فالتاريخ عند فولتير هو تاريخ العِلم الذي يكشف لنا عن تقدم العقل البشري، والبطولة تكمن في عبقرية الشخصية التاريخية ومقدار انتفاع الإنسانية بعبقريته، إذ إن رجلًا مثل إسحاق نيوتن والذي لا يجود التاريخ بمثله إلا مرة كل عشرة قرون، أعظم بلا شك عند فولتير من كل هؤلاء القادة العسكريين أمثال قيصر ونابليون الذين لا يكاد يخلو منهم
قرن.

فهل يمكننا القول بأن نابليون لو جاء في غير عصر الثورة الفرنسية لما أصبح إمبراطورًا، وما أتيح له أن يخوض تلك المعارك التى خلدت مجده العسكري؟

وعلى الرغم من كونه افتراضًا تبدو سخافته للوهلة الأولى، فإن نابليون لن يكون في تلك الحالة نابليون الإمبراطور الذي نعرفه، ولن يكون قائد المعارك البارع، وربما جهله التاريخ تمامًا؛ وفي هذا يقرر المؤرخ الإنجليزي «لورد
أكتون» قاعدة تاريخية مهمة بقوله «ليس هناك في نظرة الإنسان إلى التاريخ ما
هو أكثر جورًا من الشغف المنبعث عن الشخصيات الفردية»، وهو نفسه الخطأ الذي نقع فيه حين نرى في الموقف التاريخي سلوكًا فرديًّا خالصًا، فمهما تبهرنا عظمة الفرد لا نستطيع أن ننكر تلك القوى الاجتماعية التي تقف وراءه وتدفعه دفعًا. أي إن التاريخ الأوروبي الحديث قد رُسمت خطوطه
الكشوف الجغرافية، وعصر النهضة، ثم الثورة الصناعية وأخيرًا عصر الذرة والفضاء، وكل ذلك تشكل من خلال أفكار فلاسفة وعلماء عاشوا في عصور متتالية، وهو ما يؤكده «مونتسكو» – أحد أهم أساتذة فلسفة الحضارة – مخالفًا بذلك كلًّا من تيلور وكارليل.

وإذا كان الشغف المنبعث عن الشخصية التاريخية وانفعال المؤرخ بشخصية صاحب السيرة وبما تم على يديه، أكثر من انفعاله بالأحداث التي أحاطت به، متأثرًا بالهالة التي تحيط به في زمنه، والتي تبقى مشعة إلى
أزمنة لاحقة، وراء الجور في نظرة الإنسان إلى التاريخ، فإن براعة المؤرخ قد تجنبنا هذا الجور؛ فمهما كان شغف المؤرخ بسيرة العظماء، فإن شغفه يجب أن ينبعث من التأثير المتبادل بين العظيم ومجتمعه، سواء كان هذا التأثير في جيله أو في الأجيال اللاحقة لجيله، ففي كل مجتمع يوجد القائد والثائر، كما توجد الجموع التي تشارك العظيم مكانته التاريخية، ويجب
على المؤرخ دائمًا أن يبحث في صفحات التاريخ متحررًا من وقر الأحداث، حتى يستطيع أن يوازن بين الشخصيات التاريخية ويحكم لها أو عليها، وحينذاك يعطي لنفسه الحق في أن يعبر عن ذاته في حكمه على تلك
الشخصيات التاريخية وفقًا لتفكيره ومُثله، فإن كارثة حملة نابليون على روسيا قد تجرده عند بعض المؤرخين من كل مجد عسكري، إلا أنه عند البعض الآخر لا يمكن أن تحجب عبقريته العسكرية التي أحرز بها انتصار أوسترلتز ومارنجو.

ومن الخطأ أن نعتقد أن كل من هؤلاء العظماء ما هو إلا شخصية متفردة تملي ذاتها على التاريخ؛ لأننا بذلك نجحد دور الجماعات والشعوب التي تقف وراء الشخصية التاريخية، والتي يعبر البطل العظيم عن إرادتها فعلًا، بل إن سر العظمة والبطولة يكمن في قدرة هذا البطل على التعبير عن الإرادة الجماعية لمجتمعه، أو على حد تعبير هيجل: «إن الرجل العظيم هو من
يستطيع أن يصوغ في كلمات إرادة عصره، وأن يعبر عنها، ويعمل على تحقيقها». كما أن التاريخ لا يمكن أن يكون من صنع فرد واحد مهما أوتى هذا الفرد من هبات العبقرية والنبوغ إلا إذا أهملنا عنصري التاريخ «الزمان والمكان»، فكم ممن ارتدوا رداء العظماء وساروا يختالون في لباس
البطولة، كانت ظروف الزمان والمكان قد ارتفعت بهم إلى القمة دون أن تحمل أنفسهم وعقولهم مواهب الأفذاذ، وفي ذلك يُشير ماركس بقوله: «لقد خلق الصراع الطبقي في فرنسا ظروفًا يسرت لكثير من غمار الناس أن يمشوا بخيلاء الأبطال وأرديتهم».

والتاريخ عليه أن يحررنا من التأثيرات غير المناسبة للأزمنة الأخرى، بل من التأثير غير المناسب لزمننا أيضًا، وأغلب الظن أن هذا جوهر عمل المؤرخ الذي يجب عليه أولًا التحرر من أثقال البيئة ومن وقر الزمان والمكان، وأن يتسامى بذاته عن أحداث التاريخ فلا ينشد منها غير التقرب للحقيقة التاريخية، حتى يأتي تقديره لدور البطولة جليًّا وحكمه على مكانة البطل بين مراتب العظماء منصفًا. وإذا كان من الضروري أن يقدم لنا التاريخ الشُخوص التي تحمل معاني العظمة والبطولة، فوجب عليه أن يحكم على أقدار هؤلاء العظماء، فإذا اختارنا سيرة نكتب عنها، فإن اختيارنا يجب أن يقوم على تقدير واع منا للدور التاريخي لصاحبها، وهذا التقدير هو إحساسنا بالأثر الإنساني الفعال لرجال التاريخ، وهنا قد تختلف مراتب العظمة والبطولة، بين من صعدوا إلى العظمة على ظهر قوى قائمة بالفعل، كقيصر وجنكيز خان ونابليون وصلاح الدين، وبين من نالوا العظمة عن طريق القوى التي يعملوا على خلقها وما يحُملهم ذلك من مخاطر تحدي السلطة القائمة، كأرسطو وجيفارا وغاندي، وبين من اتصف بالعظمة لأنه بذغ دون غيره بالموهبة الفذة مثل ديستوفيسكي ونيتشه وبرنارد شو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد