لا يختلف عاقلان على أن المشكلات النفسية أشد ضررًا وإيلاماً من الحوادث الجسدية، لأنها هي ما تلازم الذات ولا يزول أثرها بسهولة،  فالتعرض للصدمات المفاجئة أو الحوادث الاستئنائية أو حتى مشاهدتها تحدث لاشخاص آخرين يترك في النفس أثرًا شديدًا، حتى مع تلاشي إمكانية تحسس ذلك الضرر. لكنه يظهر بالتتابع مع نتائج أحداث أخرى في صورة الحزن أو الاكتئاب أو الشعور بالعجز عن تغيير الواقع. فكل هذه العلامات تظهر ف مدة زمنية لا تتعدى ستة أشهر من تاريخ الحادثة. ومن خلال الأمثلة الواقعية التي نمر بها جميعًا سيتضح الهدف من هذا المقال.

ـ كلنا على علم بعدد الشركات والمؤسسات الهائل الذين سرحوا ما يقارب النصف من الطاقة العمالية خلال أزمة فيروس كورونا المستجد، فكان من الأولى أن يحزن الذين جرى تسريحهم بصورة أكبر نتيجة لخسارة أعمالهم. لكن اللافت للنظر هو أن الذين لم يجر تسريحهم هم من شعروا أكثر بالذنب، وأحسوا بالحزن على زملائهم، فمنهم من اقتطع جزءًا من راتبه لإعانة من خسروا أعمالهم أو حتى بمساعدتهم على الحصول على عمل جديد في مكان آخر.

ـ من الممكن تفهم الشعور بالذنب إذا كان الشخص قد تسبب في ألم أو إيذاء شخص آخر، لأنه يكون منطقيًّا حينها. لكن الغريب هو أن الشعور بالذنب ربما يلازم أكثر من نجا من حادث أو من الحروب والنزاعات، أو من انتقل إلى العيش في بلد جديد أكثر تحضرًا وتقديرًا للنفس، بل ربما ينتج م جراء مشاهدته لبعض الأحداث التي يتعرض لها أشخاص آخرون لس له علاقة بهم. وهذا النوع يولد الشعور بالعجز عن فعل ما يمكن به مساعدة المتضررين. ربما ينبع هذا الإحساس من فطرة التعاون بين البشر أو من العطف والمؤازرة. لكن في أغلب الأحيان لا تكون هذه هي الأسباب الحقيقية.

فالناجون من إطلاق نار أو من حادث مفاجئ مثلًا يلومون أنفسهم ويتساءلون دومًا عن السبب وراء نجاتهم، ولم هم؟ وليس الآخرين؟ فلا يرجعون ذلك غالبًا إلى لطف الله أو للقدرة، بل ينسبونها إلى الحظ وهو أمر يحتاج إلى تدبر. ثم لا تنفك الأسئلة تتوارد حتى تبلغ بصاحبها مبلغ ظهور الأعراض النفسية التي تتمثل عادةً في القلق والأرق ومشاكل النوم وتوارد الأفكار الانتحارية، وربما يتعدى الأمر ذلك إلى وجود بعض الأعراض الجسدية مثل تنميل الأطراف، آلام المعدة والكوابيس، وتسارع ضربات القلب. أو ربما يظهر الأمر في صورة أخرى، وهي عندما يحصل الشخص على فرصة التمتع ببعض النعيم الذي لم يعهده من قبل أو لم يألفه أفراد أسرته بحكم ضيق الحال.

كأن يصبح قادرًا على أكل ما لذ وطاب في أفخم الأماكن بحكم عمله، أو أن يحصل على فرصة السفر لمكان جميل، أو حتى بالحصول على تدليك جسدي لم يعرفه والده أو تجربه والدته، كالذي حدث مع صديقي عماد لما ذهبنا للحصول على تدليك بعد يوم رياضي شاق، فصار يردد: كم أتمنى لو أن أمي يمكنها تجربة هذا الإحساس، فهو يلوم نفسه على شيء لا دخل له به. إلا أنه يشعر بالتقصير في أنها لم تحصل على الفرصة. وربنا يعد هذا من الإحسان للوالدين وإرادة النعيم لهما، لكنه يظهر في مظهر الملامة النفسية.

ولهذا فإن هذه الظاهرة تعرف بظاهرة «عقدة الناجي»، وهذه الظاهرة هي الحبل الخفي الذي يصاحب معظم الناس طوال حياتهم في مختلف المواقف والأحداث، سواء في التمتع بخير أو النجاة من شر. وقد ظهر هذا المصطلح منذ ستينيات القرن الماضي، عندما لاحظ ووصف العديد من الأطباء النفسيين أمراضًا مشابهة لأعراض الناجين من الهولوكوست.

والواضح أنه ربما لا يشعر العديد من الناس بعقدة ذنب الناجي أو لا يلقون لها بالاً إن ظهرت أعراضها، لكنها في الحقيقة موجودة وتعد من أكثر المشاكل النفسية شيوعًا، إلا أن حجر الزاوية في الأمر هو أن بعض الناس يستطيعون التعايش مع استيعاب اللوم وهم بدورهم يميلون لإرجاع الأسباب إلى صفات شخصية بدلًا من القوى الخارجية، لكنها تزال قدرة بسيطة تنجيهم من اللون النفسي.

ولا ننسى أن هناك الكثير من العوامل الأخرى التي تؤثر وتزيد من فرص الإصابة بعقدة الذنب. منها: عدم تقدير النفس أو التقليل من شأنها، وهذه ماهية الأشخاص الذين يتساؤلون دائمًا عما إذا كانوا يستحقون هذا القدر من الحظ؟ وهذا أكثر ما يولد الشعور بالذنب.

ـ تاريخ مرضي مع الإكتئاب

يواجهون أحداثًا مأساوية في الصغر أكثر إحساسًا بعقدة ذنب الناجي بصورة أكبر.. وذلك نتيجة لضعف مهارات التكيف التي تهدد الحياة في فترات أخرى.

كما أن معالجة الأفكار السلبية عن طريق العلاج الجماعي أو الوقوف على مسببات ظهور تلك الحالات يعد من أهم أسباب العلاج التي تقلل من لوم الذات أو الشعور المستمر بالذنب…

دُمتم في أمان الله

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد