منذ الأزل كان الإنسان يفكر في كيفية وضع أسس لكتابة تاريخه، بطريقة نراها كأنها عشوائية لكنه في ذلك الوقت كان يلح بشدة على أن يترك بصماته بالرسم والنقش على جدران الكهوف والجبال التي لم تمح ولم تتأثر بالعوامل الطبيعية لحد الساعة، وخير مثال آثار الطاسيلي بالصحراء الجزائرية، وذلك بالإشارة إلى كيفية الصيد وطريقة العيش، كيفية الزراعة السيطرة على الأقاليم، وغيرها من الآثار الرسومات التي عثر عليها والتي صنفت ضمن عجائب الدنيا، والتي تدرس حاليًا في أرقى الجامعات الغربية، لمعرفة ماذا ترك لنا الإنسان في تلك الحقبة من رسائل التي تعد كالبوصلة التي توجه حياتنا.

مع مرور الزمن بقي ذلك التفكير يتطور مع تطور العلوم فأصبح الإنسان يريد التأريخ لكل حقبة بواسطة الكتابة والرسم، وهذا ما توضحه جل المخطوطات واللوحات الجميلة المعروضة في المتاحف العالمية، وكانت ترسم للنخبة من المجتمعات من الملوك والقادة والفنانين والعلماء، حتى يجري عرضها على الأجيال التي ستقوم بدراستها ومعرفة حياة الشخصيات المرسومة.

بعد اختراع التصوير الفوتوغرافي كان يجري تصوير المشاهير من المجتمعات، وتسجيل مقتطفات من فيديوهات لهم، وهذا مواصلة لتطور فكر كتابة التاريخ سواء بالكتابة أو التصوير حتى الساعة الأمر عادي إلى غاية ظهور الكاميرات الصغيرة والهواتف النقالة، فتغير مفهوم كتابة التاريخ إلى طريق آخر موازٍ للتأريخ الذي تم الإشارة إليه سابقًا، فظهر أشخاص من عموم الناس يقتني جهاز كاميرا أو هاتفًا نقالًا ويؤرخ لحقبة زمنية في الحاضر سوف تكون لاحقًا محل دراسة من طرف أجيال متلاحقة، فمثلًا يقوم شخص حاليا بفتح تطبيق ما مختص في نقل فيديوهات هزلية في الأصل، لكن جرت ترجمة ذلك الأمر إلى الرعونة و«التبهليل» فيقوم بوضع الموسيقى والرقص بطريقة مخلة بالحياء، فالسؤال الذي يراودك الآن هل فكر هذا الشخص أثناء تصويره الفيديو وأخذ قرار نشره، هل يعلم خطورة الأمر؟ فالتاريخ لا يرحم كما جاء في العنوان أعلاه، ستبقى لعدة أجيال ذلك الإنسان التافه الذي قام بتحريف فترة زمنية من التاريخ، سيقوم بالتأثير في أحفاده من الأجيال القادمة، سيقولون لهم أنظروا جدكم الأول كان بهلولًا، فبدل أن يترك أثرًا يذكر به، فمثلًا كان في القدم تجري الكتابة من طرف المؤرخين عن قائد ما قام بفتح مدن بجيوش لا تعد ولا تحصى، سيتم ذكره بالشخص التافه الذي يرقص ويتراقص على موسيقى لا ترقى إلى مستوى الاستمتاع بها، كانت السيئة والذنب يتحاشاها الإنسان في القدم حتى لايذكر بها مستقبلًا وحتى لا تكون إرثًا لأحفاده، فأصبح الناس حاليًا يؤرخون لذنوبهم لمليارات السنوات القادمة والله أعلم كم سيبقى ذلك الأثر عالقًا في الشبكة فالتاريخ أمانة بين أيدينا يجب مراعاة ماذا نترك.

فالإنسان حاليًا في حالة تخبط مع التأثيرات الخارجية والنفسية، لا يعلم ولا يدري تلك الخطورة التي أشير إليها، فنشر الرذيلة وكل ما هو مفسد عنوان الشهرة، لقد كان بالأمس لتصبح مشهورًا يجب عليك أن تقوم باختراع لا مثيل له، فمثلًا ألبرت أينشتاين حجز مقعدًا له في التاريخ بالنظرية النسبية، آلات مخترعة من طرف دافنشي، علوم تركها أجدادنا ببلاد الأندلس ولم يكن لهم طريقة في تلك الحقبة لنشر شهرتهم غير الكتابة عنهم من طرف المؤرخين، غير أنه الآن أصبح الإنسان بكبسة زر يصبح مشهورًا في ثوانٍ نظرًا للتطور المستمر في الشبكة العنكبوتية، فعلينا الحذر مما نتركه الآن سيكون بمثابة الحكم بالمؤبد بقانون التاريخ الذي لا يرحم وأنت بين التراب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد