بالرغم من كونهم فئة محدودة ضمن فئات أي مجتمع، فإنهم جعلوا أنفسهم فوق الجميع، فانفردوا بالرأي والحكم ليُفسح لهم المجال وحدهم دون شريك أو نِدٍّ يتقاسم معهم غنيمتهم الممزوجة بالدماء من أعلاها إلى أدناها، هم أول من وضعوا تشريعات المكر والتزييف والخيانة وتفننوا في رسم مشاهد الدماء والفزع والكآبة، لا عهد ولا أيمان حفظوا، ولا أوطان ولا ديار حرسوا، يعلو وجوههم سواد كالح، وتمتلئ أيديهم بدماء كل صالح، تقاطعت أهدافهم وتوحدت غايتهم على سرقة مقدرات الشعوب واعتلاء العروش بالغصب والإكراه، عبر دبابة وبيادة وحفنة من الجنود، نعم إنهم العسكر في كل زمان ومكان في العصر الحديث.

بدأ عهدهم المشئوم وزمنهم المغبون في مصر في منتصف القرن العشرين، عندما قاد تنظيم الضباط الأحرار انقلابًا عسكريًّا في 23 يوليو (تموز) 1952 أدى إلى إطاحة الملك فاروق وإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، وفي بداية الأمر أطلقوا على تحركهم وصف «الحركة المباركة»، ثم بحثوا عن تعبير آخر فأطلقوا عليها «ثورة»، وفي حقيقة الأمر فإن حركتهم من البركة منزوعة ومن الثورة براء.

دفع وقتها العسكر باللواء محمد نجيب، وقد اختاره ما أطلق عليهم الضباط الأحرار واجهة للانقلاب؛ لما يتمتع به من سمعة حسنة داخل الجيش، كان هو اللواء الوحيد في التنظيم، وكان سببًا في انضمام الكثير من ضباط الجيش للضباط الأحرار، وكان أحد أهم عوامل نجاح الانقلاب وقتها، لكن صراعًا على السلطة نشأ بينه وبين جمال عبد الناصر بعد أن استقر رأي اللواء محمد نجيب على ضرورة تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة، ولكن في النهاية استطاع عبدالناصر أن يحسم هذا الصراع لصالحه، بعد تحديد إقامة محمد نجيب في قصر زينب الوكيل بضاحية المرج شرق القاهرة لحين وفاته.

ويشهد محمد نجيب بالحقيقة التي لا جدال فيها في كتابه «كنت رئيسًا لمصر» فيقول: ولا أريد أن أنسب لنفسي ما هو ليس لي. ولكن الحقيقة تقتضي أن أقول إنني أول من أطلق عبارة «الضباط الأحرار» على التنظيم الذي أسسه جمال عبد الناصر، وأنا الآن أعتذر عن هذه التسمية؛ لأنها لم تكن اسمًا على مسمى. فهؤلاء لم يكونوا أحرارًا، وإنما كانوا أشرارًا، وكان أغلبهم، كما اكتشفت فيما بعد، من المنحرفين أخلاقيًّا واجتماعيًّا، ولأنهم كذلك كانوا في حاجة إلى قائد كبير، ليس في الرتبة فقط، ولكن في الأخلاق أيضًا، حتى يتواروا وراءه، ويتحركوا من خلاله، وكنت أنا هذا الرجل للأسف الشديد(1).

ولعل عبدالناصر الذي أزاح محمد نجيب ليتربع على عرش مصر ظن نفسه المنقذ الأوحد لها، والقائد المغوار الذي سيصلح حالها ومآلها، فأتته الهزائم واحدة تلو الأخرى تلملم ذيولها، وبعد مرور السنوات تبقى الحقائق التي لا مراء حول صدقها وجلائها، فقد أصبح عبد الناصر مثارًا للسخرية والتندر في أيامنا هذه، بعد أن اتخذه المغردون والنشطاء رمزًا للفشل والهزيمة الدائمة؛ بسبب خسارته كل الحروب التي خاضتها مصر في عهده، ولعل صور عبد الناصر التي يظهر بها وسط احتفالات الجماهير، تشير إلى المفارقة بين إصراره على الزعامة والقيادة، وبين إخفاقاته المتواصلة.

وفي القرن الواحد والعشرين أبى العسكر إلا أن يسجل التاريخ جريمة جديدة شاهدة على خيانتهم وحقارتهم، لتبقى صفحاتهم سوداء في سجل الذكريات والموروثات، فلم تكن ثورة 25 يناير (كانون الأول) التي وقعت أحداثها في 2011 ضد مبارك، محببة إلى نفوسهم أو مقبولة في قاموسهم، فتآمروا على أطهر حدث شهده التاريخ المصري الحديث، ومن ثم خططوا للتآمر على أعظم مكتسباتها، المتمثل في انتخاب أول رئيس مدني في تاريخ مصر بإرادة حرة نزيهة، فانقلب السيسي، أحد المنتسبين إلى قلعة العسكر، على الرئيس المنتخب محمد مرسي، بدعم من بقية رفاقه في المؤسسة العسكرية- التي يقوى نفوذها بواسطة المزيد من الدماء وأشلاء الأبرياء وحقوق الأحرار الأوفياء – ليقع انقلابه في 3 يوليو 2013، لتبدأ بعد هذا التاريخ حقبة زمنية جديدة مليئة بالسلب والنهب لشعبٍ نهض يومًا لاسترداد حريته وكرامته من عملاء بالوكالة، ملكوا زمام الأمور وشرعوا في خدمة أسيادهم الحقيقيين على حساب شعبهم المتألم الجريح الباحث عن عزته وسط ركام الأحداث المتلاطمة.

والناظر إلى ما جنته مصر بعد سبع سنوات من انقلاب غاشم جثم عليها، سيجد أن السيسي الذي جاء إلى الحكم عبر سلاحه ودبابته لم يقدم للمصريين شيئًا ملموسًا يحسن من حالتهم المعيشية أو أوضاعهم الاقتصادية، بل سنجد التفريط في مقدَّرات الوطن مثل: تخصيص سيناء لأجل صفقة القرن التي تصب في صالح الكيان الصهيوني، والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير لأجل حفنة من المال سرعان ما انتهت فهرول بعدها السيسي إلى صندوق النقد الدولي ليثقل كاهل المصريين بمزيد من الديون، التي ستظل تلاحقهم بعد عشرات السنين، وما نهر النيل مما يحدث على يد مستبد أرعن منَّا ببعيد، فقد فرَّط في الحقوق المائية لشعبٍ وهبه الله نهرًا يعترف القاصي والداني بملكيته للمصريين، وأعطى الغاز لحلفائه الحميميين وأصدقائه المقربين في تل أبيب، فما الذي جنته مصر بل الأمتان العربية والإسلامية من انقلابات العسكر في المنطقة سوى كل دمار وخراب وبوار؟!

وإذا ذهبنا من مصر في جولة سريعة إلى تركيا التي شهدت انقلابًا عسكريًّا في 15 يوليو 2016، سنجد أن العسكر كانوا هم اللاعب الأساسي في المهمة الموكلة إليهم من فتح الله جولن، زعيم تنظيم الكيان الموازي الذي اتخذ الدين مطية لتنفيذ أهدافه الدنيئة المنحطة، فالهدف كان إسقاط حكومة شرعية ورئيس منتخب أتى به الشعب بإرادته الحرة وعزيمته الأبية عبر صناديق الاقتراع.

والمتأمل سيجد تشابهًا كبيرًا في أفعال وخطط الانقلابيين، ففي نهاية المطاف مدرستهم العقلية والفكرية تؤدي بهم إلى سبيل واحد ونتيجة محتومة لا حياد عنها، وهي المزيد من القمع والدماء؛ فحين سيطرت قوات من الجيش على مقر الإذاعة والتلفزيون الرسمي، وأعلنت في بيان لها السيطرة على السلطة وفرض الأحكام العرفية وحظر التجول حتى عودة الاستقرار إلى البلاد، واتهم ذلك البيان الحكومة بتقويض سيادة حكم القانون الديمقراطي، كما أفاد البيان بأن «مجلسًا للسلام» سيدير شؤون البلاد، فإنك تجد أن هذا يتشابه إلى حد كبير مع ما حدث في انقلابي يوليو 1952 و2013 في مصر.

وإليكم شهادة أحد المسئولين الأتراك، والذي يحكي ما شهدته كواليس التحضير لهذا الانقلاب فيقول: إن مدبري الانقلاب كانوا يعدون للعملية العسكرية لإسقاط قيادة الدولة منذ فترة طويلة، وقاموا بتوزيع مناصب المحافظين ورؤساء المؤسسات الحكومية بين الضباط المتورطين في المؤامرة(2).

بيد أن الفارق الوحيد أن الانقلابيين في تركيا كانوا أكثر ذكاءً ودهاءً من نظرائهم في مصر، فقد مهَّدوا لانقلابهم العسكري بشكل خبيث في دعايات عبر صيحفة «زمان» التركية المملوكة لجماعة فتح الله جولن، عبر أحد الإعلانات الذي كان بعنوان «دوي الصمت» وكان عبارة عن فيديو دعائي قصير يبدأ بصافرة إنذار فوق سماء إسطنبول يظهر بعدها طفل رضيع «يضحك»، حيث كان هذا الإعلان بمثابة «رسالة مشفرة» لتاريخ الانقلاب، فكما هو معروف فإن مدة الحمل الطبيعية هي 280 يومًا، أو كما يحسبها الأتراك تسعة أشهر وعشرة أيام، ولو أضفنا هذه المدة إلى التاريخ الذي ظهر به الإعلان- الذي به صافرة الإنذار والطفل الذي يضحك – والذي نُشِرَ في الصحيفة في «5 أكتوبر 2015» سنجد أن التاريخ الناتج هو «15 يوليو 2016» وهو تاريخ ليلة الانقلاب العسكري في تركيا، والمدهش أكثر من ذلك أن الطفل في الإعلان يضحك، وكلمة «ضاحك أو الذي يضحك» في اللغة التركية تعني «جولن»(3).

والآن نقف معًا وقفة متأنية حول ملحوظة مهمة لا تغيب عن الأذهان الباحثة المدققة، وهي أننا إذا أمعنَّا النظر قليلًا سنجد أن كلًّا من انقلاب 1952 و2013 و2016 قد وقعوا جميعًا في شهر يوليو، فهل هناك رابط ما أو ثمة علاقة في ذلك؟!

حقيقة لا أدري هل هناك ثمة رابط أم لا، ولعلها تكون أقدار الله التي جاءت على هذا النحو على يد شرذمة من الفاسدين دون قصد أو ترتيب منهم، لكنني بعد البحث والتنقيب في الأرشيف وجدت حقيقة أدهشتني وبشدة، هذه الحقيقة تقول بأن هناك 14 انقلابًا عسكريًّا قام بهم العسكر في منطقة الشرق الأوسط في القرنين العشرين والحادي والعشرين قد وقعوا جميعًا في شهر يوليو!

والأكثر دهشة من ذلك أن الإمبراطور الروماني
«يوليوس قيصر» والذي سُمي شهر يوليو تيمنًا باسمه، قُتل على يد عدد من
قياداته فيما يشبه الانقلاب، بعد أن قاموا بطعنه عدة طعنات في مقر مجلس الشيوخ(4).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد